BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقدير موقف / الحوثيون في الرياض .. مناورةٌ أم استسلام؟

الحوثيون في الرياض .. مناورةٌ أم استسلام؟

ملخص
في ظل الاستنزاف الكبير للخزينة السعودية طوال عامٍ كاملٍ من الحرب و التوجه السعودي لترشيد النفقات على كل المستويات ، و حرصاً منها على جلب الاستقرار في حدودها الجنوبية ، و التخفيف من الضغوط الغربية ، يأتي الحرص السعودي على إجراء محادثات ثنائية مباشرة مع الحوثيين كما أعلن الأمير محمد بن سلمان مؤخراً عن التقدم الملموس في مسار المفاوضات معهم في الرياض ، تمهيداً لإنجاح مفاوضات الكويت القادمة ، وكذلك للحدّ من الانتقادات الغربية لها عبر التقليل من الطلعات الجوية ، وزيادة هجومها على مواقع سيطرة تنظيم الدولة والقاعدة في جنوب اليمن.

مقدمة
بعد عام من بداية عاصفة الحزم التي ساندت فيها دول التحالف العربي بقيادة السعودية الحكومة الشرعية في اليمن ضد الحوثيين وأنصار الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح ، يعلن ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في المقابلة الصحافية المطولة التي أجرتها معه صحيفة بلومبيرغ في بداية شهر ابريل بأن (هناك تقدم ملموس في مسار المفاوضات ، وهناك اتصالات جيدة مع الحوثيين ، ووفدهم موجود حالياً في مدينة الرياض) ، ويؤكد ذلك مجددا وزير الخارجية عادل الجبير في مؤتمر صحفي بأن هناك تقدما في المحادثات الجارية حاليا مع الحوثيين في الرياض.

يأتي هذا الحديث قبل المفاوضات المزمع انعقادها في الكويت برعاية الأمم المتحدة في 18 ابريل بين الأطراف اليمنية ، سنحاول في هذه الورقة البحث عن تداعيات المحادثات المباشرة والثنائية بين الحوثيين والدولة السعودية وما أعقبها من تهدئة على الشريط الحدودي ، وسيناريوهات تعامل الحكومة السعودية مع الحوثيين في المستقبل القريب.

نجاح اختبار حسن النوايا
في بداية شهر مارس وبشكل اعتبر مفاجئاً دخل إلى السعودية وفدٌ حوثي عالي المستوى لإجراء مفاوضات مباشرة مع السعودية وتسليم أحد الأسرى السعوديين ، وصرح مسئولان رفيعا المستوى في جماعة الحوثي لوكالة رويترز بأن الوفد الحوثي يقوده محمد عبد السلام المتحدث الرسمي باسم الجماعة والمستشار الكبير لزعيمها عبد الملك الحوثي ، وأن الزيارة تلبية لدعوة من مسئولين سعوديين جاءت بعد أسبوع من المحادثات التحضيرية السرية ، ورأس عبد السلام في السابق وفوداً للحوثيين في محادثات أُجريت في عُمان مهّدت الطريق للمحادثات التي أجريت برعاية الأمم المتحدة في سويسرا العام الماضي.

بينما لم يعترف الجانب السعودي في بداية الأمر بالمحادثات المباشرة مع الحوثيين ، ووصف الذين دخلوا إلى السعودية بأنهم وجاهات قبلية من القبائل الساكنة في الحدود اليمنية السعودية وذلك على لسان المتحدث باسم التحالف العربي العميد ركن أحمد عسيري بأن هناك (شخصيات قبلية واجتماعية حضرت للتهدئة ، لا لأن تكون هناك مفاوضات أو هدنة ، بل وساطة تأتي في أجواء للتهدئة في المناطق التي تتعرض للعمليات والتي يعتبر أهلها لا ذنب لهم لكونهم ليسوا مقاتلين) وكذلك لإيجاد ممر آمن لإرسال المساعدات الإنسانية ولانتشال الجثث المتناثرة في مناطق المواجهات الحدودية والتي قد تهدد السكان على الحدود.

ليكون نجاح اختبار حسن النوايا بين الطرفين في نهاية شهر مارس في بيان رسمي للتحالف بأنه أكمل عملية تبادل للأسرى بتسلم تسعة أسرى سعوديين مقابل الإفراج عن 109 من الطرف الآخر قبل هدنة مقررة ومحادثات سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ عام .

وتزامن تبادل الأسرى مع ضربات جوية جديدة شنتها قوات التحالف والطيران الحربي الأمريكي على تنظيم الدولة والقاعدة في جنوب اليمن ، ولم يذكر بيان التحالف الجهة التي تم معها اتفاق تبادل الأسرى ، لكنّ جماعة الحوثي قالت إنها تبادلت أسرى مع الرياض. ليأتي تصريح الأمير محمد بن سلمان الأخير مبدداً الغموض الذي انتهجته السعودية في عدم الاعتراف بالمفاوضات المباشرة مع الحوثيين.

وعلى صعيد آخر قال يوسف الفيشي عضو اللجنة الثورية للحوثيين في منشور له على موقع الفيسبوك (على المسئولين في الجمهورية الإسلامية في إيران السكوت وترك الاستغلال والمزايدات بملف اليمن) ، وعند سؤاله عن الرسالة قال عادل الجبير أنه لم يرها لكنه أوضح أنها تبدو بياناً “إيجابياً” .

التداعيات للمحادثات المباشرة
حرصت السعودية في بداية الأمرعلى التقليل من شأن المفاوضات المباشرة وكأنها مجرد تفاهمات على تهدئة وليست هدنة ، حيث صرحت بأنها تمت بوساطة قبلية متجاهلة ذكر وجود الحوثيين ، و ذلك يعكس الحرج السعودي على مستويين:

الأول: كون السعوديين تفاوضوا مع الحوثيين بدون طلب من الحكومة اليمنية و هي المعنية بالدرجة الأولى بالتفاوض. هذا التصرف الأحادي قد يدعوا الحكومة اليمنية للقلق من هذه الخطوة التي تسبق المفاوضات اليمنية المزمع عقدها في الكويت في الثامن عشر من الشهر الحالي . تصريحات وزير الخارجية اليمني تعكس هذا القلق عندما صرح بأن المفاوضات تهدف لمبادلة الأسرى فقط ، وهو يدرك من موقعه أن وصول وفد كبير من الحوثيين إلى السعودية ليس إلا محصلة لاتفاقات مسبقة جرى طبخها على نار هادئة طوال الأشهر الأربعة الماضية .

الثاني: تحقيق الحوثيين بهذه المفاوضات المباشرة الاعتراف السعودي بشرعيتهم كونهم قوة رئيسية في اليمن وذلك لأن الدعوة للتفاوض وصلتهم من الرياض على حد قولهم ، وكون جانب من المفاوضات تم على أراض سعودية .

ورغم الحرج إلا أن السعودية جعلت من هذه المفاوضات المباشرة مع الجماعة الحوثية مساراً موازياً لمسار المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة بين الأطراف اليمنية في الكويت ، وذلك في محاولة لتأمين الحدود الجنوبية لها وعدم ربط ذلك بوقف إطلاق النار في المدن اليمنية.

هذه المفاوضات الثنائية ( السعودية – الحوثية ) تزامنت مع القرارات الرئاسية بتعيين علي محسن الأحمر و أحمد بن دغر في منصبي نائب الرئيس و رئيس الوزراء و تنحية خالد بحاح الذي كان يشغل المنصبين . يرى البعض أن هذه خطوة استباقية جاءت لقطع الطريق على مطالبات الانقلابيين بنقل صلاحيات الرئيس لنائبه في مفاوضات الكويت القادمة .

ويعتقد البعض أن هذه المحادثات تأتي ضمن خطة في إضعاف التحالف الثنائي بين الحوثيين وعلي عبد الله صالح ، لأن التحالف بين الجانبين تحالف تكتيكي وليس تحالفاً استراتيجياً ، وأن وجود مفاوضين حوثيين بالرياض يؤكد أن ميليشيا الحوثي باتت تسعى لعقد صفقة مع السعودية لتُبقي على وجودها في اليمن ، وترتب وضعها المستقبلي بالمشهد السياسي بعيداً عن علي عبدالله صالح.

لكنّ الاحتمال السابق يضعفه الواقع الحالي ، فالطرفان ( الحوثي –صالح) أصبحوا كياناً واحداً فيما يسمى بـ (اللجان الثورية) ، واختلاط قيادتهم وأفرادهم في المعسكرات والجبهات القتالية ، وأن هذه المحادثات بين السعودية والحوثيين ما هي إلا تكتيك ينتهجه الطرفين ( الحوثي – صالح) وذلك للأسباب التالية :

1- عدم قدرة علي عبدالله صالح إجراء المحادثات المباشرة مع السعودية ، وذلك نتيجة المسار العدائي الذي اتبعه في التعامل مع السعودية بعد عملية عاصفة الحزم ، مما يجعل المحادثات المباشرة فيما بينهم مستحيلة أو صعبة الحدوث .
2- محاولة لتحييد طيران التحالف عن المعركة فقد كان له وبلا شك الدور الأكبر في تغيير المعادلة العسكرية على الأرض ، واستغلال الضغط الذي تمارسه الدول الغربية على دول التحالف في انتقادها للغارات الجوية .
3- وجود تجربة ناجحة بين الطرفين ( السعودية – الحوثي ) ، وذلك في الاتفاق الذي تم عقده عام 2010 والمتضمن إيقاف القصف السعودي على صعدة مقابل انسحابهم من جبل دخان.
4- محاولة الاستفادة من هذه المفاوضات المباشرة مع السعودية في تحقيق مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات في الكويت ولا أدلّ على ذلك من تصريح المتحدث الرسمي باسم الحوثيين محمد عبدالسلام الذي انتقد فيه المواقف الإيرانية في التعاطي مع الأزمة اليمنية ، وأشاد في الوقت ذاته بالنتائج التي حققتها الجماعة بتفاهماتها مع السعودية.

السيناريوهات
في ظل الاستنزاف الكبير للخزينة السعودية طوال عام كامل من الحرب و التوجه السعودي لترشيد النفقات على كل المستويات ، و حرصاً منها على جلب الاستقرار لحدودها الجنوبية ، و تخفيف الضغوط الغربية ، يأتي الحرص السعودي على إجراء محادثات ثنائية مباشرة مع الحوثيين تؤدي إلى أحد السيناريوهات التالية :

السيناريو الأول: استمرار المفاوضات المباشرة مع الحوثيين في المسائل المشتركة بين الجانبين كالحدود وإدخال المساعدات الإنسانية ، وأن يكون هذا المسار التفاوضي الثنائي مستمراً في حال فشل المفاوضات اليمنية في الكويت وعدم ربط مسائل أمن الحدود بالحرب اليمنية في الداخل .

وفي هذا السيناريو يمكن القول بأن السعودية تريد بهذه المحادثات الثنائية والمباشرة تخفيف الضغوط الممارسة عليها من الدول الغربية ، و فتح قناة تواصل مستمرة مع الحوثيين لخلق معادلة توازن قوى جديدة ، والمحاولة في إيجاد توازن مع حزب الإصلاح الذي برز أفراده بقوة على كل جبهات القتال.
لكنّ ذلك سيكلف السعودية الكثير أمام شعبها في عدم تحقيق الأهداف المعلنة من عملية عاصفة الحزم ، ويبدو غير ممكناً في الناحية الأخرى تنازل الحوثيون عن سلاحهم الذي يعتبر عنصر قوتهم ووسيلتهم للوصول إلى الحكم واستمرار تأثيرهم في الساحة اليمنية.

السيناريو الثاني: أن تكون هذه المفاوضات الثنائية المباشرة مؤقتة ، ومحددة في الإطار العسكري الميداني سواء في الإقرار بالهُدن المؤقتة للحالات الإنسانية أو إدخال المساعدات الغذائية والصحية للقبائل الحدودية ، وأنّ العلاقة بين السعودية والحوثيين في المستقبل محددة بعلاقة الحكومة اليمنية بالحوثيين ، والتزام الحوثيون بقرار مجلس الأمن 2216 .

ويدل على ذلك الدعم السعودي للقرارات الأخيرة التي أصدرها الرئيس هادي بإقالة رئيس الوزراء خالد بحاح ، وتعيين الفريق علي محسن الأحمر نائباً للرئيس وهو ما اعتبر إشارة إلى أن الحكومة اليمنية ومن ورائها السعودية مستعدة لاستمرار العمليات العسكرية حتى تحرير كامل الأراضي اليمنية إن لم تنجح المفاوضات الأممية في الكويت كما أكد ذلك العميد الركن هاشم الأحمر(إنه في حال إفشال المفاوضات السياسية المرتقبة بالكويت من قبل الانقلابيين ، فإن البديل الآخر هو اقتحام صنعاء وتحريرها من ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح بالقوة ) مشيرا إلى أن عملية «نصر 3» لتحرير صنعاء تم الإعداد لها.

وستحاول الحكومة السعودية الحدّ من الانتقادات الغربية لها عبر التقليل من الطلعات الجوية ، وزيادة هجومها على مواقع سيطرة تنظيم الدولة والقاعدة في جنوب اليمن.

شاهد أيضاً

images

مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية

مدخل : مرت العلاقاتُ السعودية الإيرانية منذ نشأتها عام 1929م بمراحل متباينة ما بين التوتر ...