BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقدير موقف / عقيدة أوباما أم استراتيجية الولايات المتحدة ؟
obamadoctrine0-600x394

عقيدة أوباما أم استراتيجية الولايات المتحدة ؟

مقدمة :

أثارت مقالة نشرها الصحفي الأمريكي جيفري غولدبيرغ في مجلة أتلانتيك[1] جدلاً واسعاً ، فبعد سلسلة مقابلات مع أوباما وعدد من كبار المسؤولين في إدارته أخرجها غولدبيرغ في مقالة مطولة ، تأكدت شكوك العرب حول تغير سياسة الولايات المتحدة رغم ما حاولوا أن يطمئنوا به أنفسهم في قمة كامب ديفد ، الانتقادات اللاذعة شملت القادة العرب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ، بينما تحدث بلطف عن إيران والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، ومجمل ما يثير مخاوفه هو صعود الصين والاحتباس الحراري ومشاكل الدول الفاشلة .

نبحث في هذه الورقة سلوك السياسة الخارجية الأمريكية المتعلقة بالمنطقة مؤخراً ، وسيناريوهات استمرارها من عدمه .

 

العالم بعيون أوباما :

لم يكن مضمون تصريحات أوباما مستغرباً بقدر ما كان التوقيت ذاته هو الغريب ، فقد جرت العادة أن يلتزم الرئيس الأمريكي بالدبلوماسية حتى يغادر البيت الأبيض ويصدر مذكراته التي يعترف فيها ببعض خبايا حقبته لأغراض لفت النظر وتحقيق مبيعات أعلى ، لكن ما سمي بـ (عقيدة أوباما) يبدو مختلفاً .

منذ حملة أوباما الانتخابية بدأ استشراف مستقبل مختلف للسياسة الخارجية الأمريكية ، فالحرب على العراق شكلت نقطة تحول ، وأفول نجم المحافظين الجدد[2] مقابل صعود تيارات تجديدية تنظر للسياسة الدولية بشكل مختلف ، وبروز شخصيات غير مثقلة بآثار الحرب الباردة ، كل هذا أدى إلى ما نشهده اليوم من تغير في سلوك الإدارة الأمريكية .

أوباما انفتح على خصوم أمريكا التقليديين مثل (روسيا ، إيران ، كوبا) ، وحقق اتفاقاً نووياً مع إيران ، وقلص الوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق ، وتراجع عن الخط الأحمر الذي وضعه لبشار الأسد لتملأ الفراغ روسيا وإيران ، وأثار دول الخليج الحليف الأمريكي التقليدي بمحاولة الانكفاء والانسحاب من المنطقة ، وأولى اهتماماً كبيراً بدول حوض الباسيفيك .

 

أركان عقيدة أوباما :

كولين دويك في كتابه (عقيدة أوباما.. الإستراتيجية الأميركية) والذي صدر بداية العام 2016م يشير إلى استناد عقيدة أوباما إلى محورين رئيسين :

1- مبدأ التوجه إلى الداخل الأميركي وإيلائه القدر اللازم من الزخم السياسي من أجل تمرير أفكار أوباما الأقرب إلى الاشتراكية المعتدلة ، فهو يعتقد أن قوة أميركا تنبع من تماسكها ونمائها في الداخل وليس من علاقاتها الدولية وسطوتها الخارجية ، وأن الأمن القومي الأميركي لا يمر في قناة السياسات الدولية بل يعززه مجتمع قوي يقوم على إتاحة الخدمات للجميع ، كمشروعه لترشيد التأمين الصحي الذي يسمى بـ”أوباما كير” ، وقضية الهجرة، والرعاية الصحية، والتعليم بأغلب مراحله ولا سيما الابتدائية، والمناخ والبيئة .

2- سعيه الحثيث لاحتواء دول كانت تعتبر إلى ما قبيل مجيئه إلى سدة البيت الأبيض دولا مخاصمة أو مارقة أو عدوة مثل الصين وإيران وروسيا.[3]

تصريحات أوباما لغولدبيرغ حملت الكثير من اتجاهاته ، توافقت مع تصريحات له قبل أن يصل لسدة الحكم أهمها :

  • “إنه لا يشكل تهديداً مباشراً” :
    للرئيس الأمريكي نظرته حول ما هو العاجل ؟ ، وما الأكثر أهمية ؟ ، فحينما كان في مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي تحدث في مظاهرة مضادة للحرب على العراق قائلاً : (أنا ليس لدي أي أوهام حول صدام حسين، فأنا أعلم أنه رجل قاس وبلا رحمة، لكنني أعلم في الوقت نفسه أنه لا يشكل تهديداً مباشراً وحتمياً للولايات المتحدة أو جيرانها) ، وحينما استطاع أن ينتزع الأسلحة الكيماوية من النظام السوري بوساطة روسية تراجع عن قرار الحرب مجنباً إسرائيل تهديداً حقيقياً عبر عنه نتنياهو بأنه ” شعاع ضوء في منطقة مظلمة جداً” ، كما يتحدث عن عدم أخذ هجوم تشافيز[4] ودانيال أورتيجا[5] على محمل الجد “لأنه لم يكن تهديداً لنا” كما يقول ، كذلك انطواء اتفاق (5+1) على تقييد المشروع النووي الإيراني بدون ضبط السلوك الإيراني ومنعها من دعم ميلشيات الفوضى في المنطقة كان محل خلاف من الطرف الخليجي إلا أنَّ الإدارة الأمريكية تركز على ما تسميه التهديد القومي المباشر .
  • كتاب قواعد واشنطن :
    يبدو أوباما محبطاً من بروتوكولات السياسة الخارجية الأمريكية ، أو ما يسميه (كتاب إرشادات واشنطن) .
    تراجعه عن الخط الأحمر الذي وضعه لبشار ، اعتبره فخر بالنسبة له ، لأنه جنب أمريكا مستنقعاً لا يختلف كثيراً عن العراق وأفغانستان ، ما أثار ضده موجه من الانتقادات لأنه وضع “مصداقية أمريكا” على المحك وقلل من شأن “قوة الردع” الأمريكية كما يقول منتقدوه .
    كما أبدى انزعاجه من أن “أرثذوكسية السياسة الخارجية تجبره على اعتبار السعودية حليفاً” ، وهو يراهن على أنَّ واحدة من أكبر داعمي الإرهاب في العالم (إيران) ستلتزم باتفاقية لوقف برنامجها النووي.
  • النظرة للإسلام :
    يرى أوباما أن الإسلام يجب أن يتصالح مع الحداثة، ويتسق مع بعض الإصلاحات الشبيهة التي غيرت المسيحية ، وهذا ما ألمح له من قبل في خطاب القاهرة .[6]
    ويصف أندونيسيا التي عاش فيها بعض سنوات طفولته أنها انتقلت إلى إسلام أكثر تطرفاً وأقل تسامحاً ، ويرجع ذلك إلى أن السعوديين دفعوا الأموال وأرسلوا الأئمة والأساتذة لنشر “الوهابية” .
    يعتبر أن “هناك تأويلاً عنيفاً وراديكالياً ومتعصباً وعدمياً للإسلام عبر فصيل ما -وهو صغير-داخل المجتمع المسلم يمثل عدونا ، ويجب هزيمته” .

 

ردة الفعل السعودية :

ينظر السعوديون للسلوك الأمريكي مؤخراً في المنطقة بعين الريبة ، ويلاحظ تخبط في التعامل مع الوضع الجديد وتغيرات ميزان القوى ، بالطبع هناك زيادة في هامش التصرف الذاتي في بعض قضايا المنطقة ، ولكن هذا نابع من الانحسار الأمريكي .
الغير مبرر فعلاً هو تعليق الكثير من المصائر على تواجد أمريكا من عدمه ، والارتهان للنظرة البائدة حول أهمية الخليج الاستراتيجية لدى واشنطن ، ومحاولة كل طرف في المنطقة _ وحتى داخل أنظمة الدول _ الظهور بهيئة الخيار المناسب لتحقيق المصالح الأمريكية .

 

السيناريوهات :

لا خلاف على أن سياسة أمريكا تجاه المنطقة وخاصةً دول الخليج ليست كسابق عهدها ، مع هذا تواجه إدارة أوباما الكثير من الانتقادات حتى من بعض الديمقراطيين ، لذا فإن احتمالات استمرار أو تغير هذا النسق من السياسة الخارجية الأمريكية يكون كالتالي :

السيناريو الأول :
استمرار خلف أوباما على هذا النحو من السلوك الخارجي ، والتركيز على استعادة الدور الأمريكي بشكل جديد بعيداً عن الدخول في حروب جديدة ، وإعادة التموضع في مراكز أكثر منفعة في مستقبل الصراع مع القوى الصاعدة (الصين ، الهند ، البرازيل) مثل أمريكا الجنوبية وحوض الباسيفيك .
مع الحالة الاقتصادية العالمية والوضع السياسي المأزوم في المنطقة ، يعتبر هذا الخيار منطقياً للولايات المتحدة ، حتى مع فوز رئيس جمهوري ، فمزاج الناخب الأمريكي الذي استحوذت عليه فكرة (الإمبريالية) وبطولات رامبو وحرب النجوم لم يعد كما هو ، هناك أيضاً آثار حرب العراق وانعكاساتها السلبية ، وتراجع مدرسة المحافظين الجدد وبروز مدارس تجديدية تنظر للسيطرة والنفوذ من زاوية أخرى .
يرجح هذا السيناريو ما قاله تركي الفيصل في مقابلة مع قناة سكاي نيوز تعليقاً على مقاله الذي يرد فيه على اتهام أوباما للسعوديين أنهم (Free riders) أي (راكب مجاني) ، يقول : (أعتقد أننا لا بد نتوقع أن هذه الآراء ستستمر بعد أوباما).[7]
هذا يدعو السعودية إلى تبني سياسات الاعتماد على الذات ، وتكوين شبكة تحالفات استراتيجية مع دول المنطقة ، وتبني مشروع إصلاحي على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

السيناريو الثاني :
يتوقع البعض مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي الأمريكي أن يتخلى الديمقراطيون قبل الجمهوريون عن هذه السياسة ، ما يعني العودة للتأرجح المعهود بين قيم الجمهوريين والديمقراطيين ، وبقاء السعودية كحليف تعتمد عليه أمريكا في مجالات الطاقة والأمن ومكافحة الإرهاب والاقتصاد .
يحول دون هذا السيناريو والواقع أنَّ الولايات المتحدة لا تعتمد في بناء سياساتها وخاصةً الاستراتيجية منها على اتجاهات الأشخاص بعكس دول المنطقة العربية ، وهذا ما دفع الكثير من المحللين السعوديين والعرب أن ينحازوا للجمهوريين بدرجة أكبر ، على اعتبار أن سياسة أمريكا الخارجية ستتحول ، مع العلم بأنَّ تحقق هذا المسار لن يمر بدون صفقة تنعكس على الداخل السعودي بموجة من التضييق ومبالغة في تحقيق ما يسمى بـ “قيم أمريكا” .

 

__________________________________________________________________________________________

[1] لقاء صحيفة أتلانتيك مع أوباما

[2] مجموعة سياسية أمريكية يمينية، تؤمن بقوة أمريكا وهيمنتها على العالم, تتألف هذه المجموعة من مفكرين استراتيجيين، ومحاربين قدامى، ومثقفين (ويكيبيديا)

[3] نظرة في كتاب (عقيدة أوباما.. الإستراتيجية الأميركية اليوم)

[4] رئيس فنزويلا السابق

[5] رئيس نيكاراغوا

[6] نص خطاب أوباما في القاهرة

[7] لقاء سكاي نيوز مع تركي الفيصل

شاهد أيضاً

images

مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية

مدخل : مرت العلاقاتُ السعودية الإيرانية منذ نشأتها عام 1929م بمراحل متباينة ما بين التوتر ...