BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقدير موقف / مستقبل العلاقات السعودية اللبنانية
مستقبل العلاقات السعودية اللبنانية

مستقبل العلاقات السعودية اللبنانية

مقدمة:
أعلنت السعودية يوم الجمعة 19/2/2016م وقف الدعم المالي لدولة لبنان البالغ أربع مليارات دولار منها ثلاثة مليار دولار لدعم الجيش اللبناني عبر تمويل صفقة تسليح فرنسية ومليار دولار لدعم الأمن اللبناني ش بعده بأيام أصدرت السعودية أمراً لرعاياها بمغادرة لبنان حرصاً على سلامتهم وتبعتها بعض دول الخليج ، كما صدرت تبعاً لذلك قائمة بأسماء شخصيات وشركات لبنانية تعمل في السعودية سيشملها الحظر ، و في تجلٍ آخر للأزمة صدر قرار مجلس التعاون الخليجي باعتبار حزب الله وكل ما يتبعه منظمة إرهابية.
نتناول في هذه الورقة أسباب وتداعيات هذه القرارات المتعاقبة من قبل السعودية والخليج تجاه لبنان ، كما نحاول استشراف تأثيرات هذه القرارات على مستقبل العلاقة بين البلدين.

تاريخ العلاقة ( وجانبها الاقتصادي) :
تحتفظ ذاكرة البلدين بتاريخ طويل من العلاقة القائمة على الاحترام والدعم المتبادل ، طالما مثلت السعودية فيه نموذج الأخ الأكبر في سعيها لحل المشاكل اللبنانية الكثيرة والمتجددة ، مع الدعم المالي السخي ( قارب الدعم السعودي للبنان 70 مليار دولار من عام 1990-2015 م) ومساندته السياسية المستمرة ، اتجهت القرارات إلى الشق الاقتصادي في علاقات البلدين بشكل غير مسبوق ، فسنتناوله بإيجاز لنعرف مقدار تأثير مثل هذه القرارات على الدولة اللبنانية.
بلغ حجم التبادل التجاري بين بيروت والرياض ما يقارب ٨٠٠ مليون دولار ( بينما قيمة التبادل التجاري بين لبنان وإيران واحد مليون دولار فقط في بعض السنوات! ) ، و يتم تمييز الشركات اللبنانية والمستثمرين اللبنانيين على كل الجنسيات الأخرى داخل السعودية ، فهم أكبر جالية عربية مستثمرة داخل المملكة ، ويقام ملتقى اقتصادي سعودي لبناني بين البلدين بصفة سنوية ، وبحسب مركز الدراسات الاقتصادية في غرفة التجارة والصناعة في لبنان بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية عام 2014 نحو 377.5 مليون دولار ، وصنفت السعودية في المرتبة الأولى على لائحة أهم أسواق الصادرات اللبنانية لنفس العام ، حيث استأثرت بنحو 11% من إجمالي الصادرات اللبنانية ، وبالنسبة للواردات بلغت قيمة البضائع المستوردة عام 2014م من السعودية نحو 415.4 مليون دولار ، كما بلغت قيمة التدفقات الاستثمارية السعودية المتراكمة في لبنان في الفترة ما بين الأعوام 1985-2009 نحو أربعة مليار و 819 مليون دولار ما يعادل 39% من إجمالي الاستثمارات العربية في لبنان.
وتأتي تحويلات ما يقارب 400 ألف لبناني في السعودية والخليج لتنعش الخزينة اللبنانية بمليارات الدولارات ، فقد قُدرت قيمة التحويلات المالية للمغتربين اللبنانيين بأكثر من ثمانية مليارات دولار عام 2014م ، 50 % من هذه التحويلات كانت من السعودية أي نحو 4 مليارات دولار ، و2.5 مليار من باقي دول الخليج ، و1.5 مليار دولار من باقي دول العالم.
أما على صعيد الأموال المودعة في لبنان ، فإن ودائع غير المقيمين اللبنانيين تمثّل نحو 31 مليار دولار من إجمالي ودائع القطاع البالغة نحو 153 مليار دولار ، في حين أن نصف هذه الودائع (15 مليار دولار) تعود إلى رجال الأعمال العرب والخليجيين.
ومن خلال هذا العرض فإن تداعيات هذه القرارات السعودية والخليجية ستنعكس على ثلاثة مجالات: التحويلات المالية من المغتربين اللبنانيين في دول الخليج ، وحجم التبادل التجاري بين لبنان والدول الخليجية ، والودائع العربية في المصارف اللبنانية.
وعلى هذا فإن سحب الدعم السعودي للبنان المتمثل في 4 مليارات دولار ، ليس إلا فاتحة لعقوبات قاسية تهدد اقتصاد الدولة اللبنانية ، ولا يمثل إلا القمة من جبل جليد العقوبات السعودية الخليجية على لبنان ، وهو يهدم تفسير بيان حزب الله للقرارات بأنها نتيجة أزمة انخفاض النفط.

جذور الأزمة (سياسية ) :
إن كانت العقوباتُ الناتجة عن الأزمة اقتصاديةً فإن أسباب الأزمة سياسية ، لها عنوان كبير أوحد هو (حزب الله) وأتباعه.
ظلَّ لبنان ملعباً للمليشيات المختلفة ، وخضع لحروب أهلية قاسية ، ووصل الحال بلبنان إلى انقسام حقيقي فلكل قسم رئيس وزراء وحكومة ففي جهة سليم الحص وفي جهة أخرى ميشال عون قبل اتفاقية الطائف ، وكثير من الأسماء اللبنانية السياسية اليوم هم ممن قاد تلك المرحلة.
أقفل اتفاق الطائف عام 1989م مرحلة الحروب الأهلية ، وبدأت منه مرحلة الدستور والدولة ، ولكن أبقى ورسّخ العاهة المزمنة التي أصبح لبنان فيها مضرب المثل في العالم ألا وهي المحاصصة الطائفية (في لبنان 18 طائفة دينية معترف بها) ، بُنيت الحياة السياسية في هذا البلد على المحاصصة الطائفية التي تم توزيعها حسب الميثاق الوطني لعام 1943 حيث تم توزيع المناصب على المكونات اللبنانية ليحصل المسيحيون على منصب رئيس الجمهورية وتمنح رئاسة الوزراء للمسلمين السنة ويحصل الشيعة على منصب رئاسة البرلمان ، وبسبب هذه المحاصصة الطائفية تطفو على السطح بين فترة أخرى توترات وصراعات كثيرة ويكفي أنها تسببت بحرب أهلية دامية دامت لسنوات طويلة ، ففي لبنان يتمثل وجه المحاصصة الطائفية بأبشع صورها ذلك أن المكون الطائفي في الدولة مكون متحرك متغير ، بفعل النمو الديموغرافي والتحولات الاجتماعية الطبيعية ، تتغير معها معادلة موازين القوى ، وهكذا فإنَّ المحاصصة الطائفية في مكونها ومنذ البدء متوترة وغير مستقرة .
في هذه الأجواء غير المستقرة نشأ حزب الله من أوساط الطائفة الشيعية ، فقد اتسمت لبنان لفترة طويلة بغياب الدولة المركزية ، والعلاقات التاريخية بين إيران وشيعة لبنان ، والتهديد الإسرائيلي المستمر لجنوب لبنان ، ثم الوضع الاقتصادي والوضع الاجتماعي المتدنيين للطائفة الشيعية ، ولهذا فقد تبنت إيران كلاً من حزب الله و أمل الإسلامية التي شكلت انشقاقاً عن حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) عام 1982 بزعامة موسوي الذي تلقى تدريباً عسكرياً في إيران ، وقيل إن إيران دفعته لإنشاء منظمته الجديدة ، وقد تلقت عناصر التنظيمين دورات عقائدية وتدريباً عسكرياً على يد عناصر الحرس الثوري الإيراني .
في المقابل تمتّعت الطائفة السنّية في لبنان بالنفوذ منذ نهاية الحرب اللبنانية في العام 1990 من خلال سلطة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ، إلا أنها بعد اغتياله في العام 2005 ، أصبحت من دون زعيم ، وهي تشهد تدريجيّاً إقصاءها من السلطة السياسية.
كان السنة هم الخاسر الأكبر من مجمل التطورات السياسية ، بداية من اغتيال رفيق الحريري ووصولاً إلى التغيرات السياسية الخطيرة التي تحدث حالياً المهددة للاستقرار في لبنان ، وتعيد إليه أجواء الطائفية التي كان يسعى الرئيس الحريري لإضعافها ، وقد فشلت محاولات زعماء سنّة في السير على خطى رئيس الوزراء الراحل ، وخاصة نجله رئيس الوزراء السابق سعد الحريري.
مثل شخص رفيق الحريري دون سائر المكونات السنية الكثيرة والمختلفة حليفاً للسعودية لكنه كان فرداً لم يستطع مقاومة القوة المتصاعدة لحزب الله بدعم إيران والضغط السوري ، واليوم يحاول خلفاء الحريري (تيار المستقبل) منافسة حزب الله وأتباعه دون جدوى .
كانت السعودية تدعم المؤسسات والدولة اللبنانية ممثلة في الجيش والأمن والاقتصاد ، وتسعى جاهدة لاستقراره دون دعم موجه للطائفة السنية ، بل ساهمت أثناء اتفاق الطائف على سحب كل الأسلحة من كل الأطراف ، لكنها وبحسب الدكتور خالد الدخيل أبقت على سلاح حزب الله تحت ضغط وإقناع الرئيس حافظ الأسد للملك فهد بحجة مقاومة إسرائيل ، اقتنع الملك فهد بإبقاء سلاح حزب الله وكان ذاك فخاً سياسياً.
أما إيران فكانت تدعم وتبني قوة صلبة ونفوذاً متغلغلاً في كل مفاصل الدولة اللبنانية عن طريق سوريا التي كانت ترابط بقواتها في لبنان ، مركزة على الطائفة ، ذلك الدعم والتسليح والتدريب الإيراني آتى أكله في هذه السنوات حيث أصبحت الحكومة اللبنانية لا تملك قرارها وأصبح كل وزير يغرد لوحده ، وزير العدل اللبناني اللواء أشرف قدم رسمياً استقالته من منصبه متهماً حزب الله بتدمير علاقة لبنان مع السعودية والعرب كافة ، وحمّله مسؤولية تعطيل الدولة ومؤسساتها وبناء “دويلة” في لبنان ، وأشار إلى أن العبث بالدولة ومؤسساتها وصل إلى مستويات خطيرة ، بفعل ما سماه التعطيل الذي فرضه حزب الله وحلفاؤه داخل الحكومة وخارجها -على حد وصفه- بدءاً من الفراغ الرئاسي وتعطيل المؤسسات الدستورية اللبنانية وضرب الحياة السياسية.
وامتنع وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل ممثلاً بلاده عن التصويت على القرار الذي أصدره وزراء الخارجية العرب في ختام اجتماعهم الطارئ في القاهرة ، الأحد 10 يناير ، حول دعم السعودية في مواجهة إيران ، ما جعل رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام يعتذر أن ذلك زلة وخطأ ، وكان هذا الموقف هو القشة التي قصمت ظهر البعير ، وجعل التوقيت مناسباً لتنفيذ إجراءات سعودية حازمة ضد لبنان ، تلك العقوبات بحسب مراقبين قد تم اتخاذها منذ بداية المواجهة مع إيران في عدة جبهات خاصة في اليمن وسوريا لكنها كانت في انتظار التوقيت المناسب.

مستقبل العلاقة :
يعتمد الحكم على مستقبل العلاقة بين البلدين على طبيعة وتطور الصراع بين السعودية وإيران ، حيث يسيطر حزب الله على مفاصل الدولة اللبنانية ، أيضا هناك الأزمة السورية والتي يعتبر حزب الله طرفاً فاعلاً فيها ، كما أن الفراغ الذي سيحدثه انسحاب السعودية من المشهد اللبناني يتيح الفرصة أمام إيران لسد هذا الفراغ ، لهذا يُتوقع أن تسير الأمور في أحد طريقين:

الأول : استمرار الأزمة والمقاطعة الاقتصادية وربما تطورها لمحاولة تشتيت المحور الإيراني في مناطق الصراع ، هذا سينعكس سلباً على حلفاء السعودية في لبنان ، حيث سيزداد نفوذ حزب الله من خلال انفصال قيادات عن كتلة 14 آذار كما يحدث الآن .

الثاني : عودة العلاقة بعد تفاهم أطراف القوى الفاعلة في لبنان ، وقيام حكومة تحد من نفوذ حزب الله وإيران سياسياً على الأقل ، وتساهم فعلياً في حل الأزمة السورية ، وهذا يتطلب ضغط سعودي على المستوى الدولي لحل الأزمة اللبنانية .

شاهد أيضاً

images

مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية

مدخل : مرت العلاقاتُ السعودية الإيرانية منذ نشأتها عام 1929م بمراحل متباينة ما بين التوتر ...