BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقدير موقف / مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية

مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية

مدخل :
مرت العلاقاتُ السعودية الإيرانية منذ نشأتها عام 1929م بمراحل متباينة ما بين التوتر والهدوء ، حيث استمرت العلاقات طبيعية حتى عام 1943م ، وانقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بسبب إعدام السلطات السعودية أحد الحجاج الإيرانيين ، ثم استؤنفت العلاقات بدعوة من الملك عبدالعزيز عام 1946م ، وفي عام 1955م زار الملك سعود إيران والتقى الشاه إلا أن تصريح الأخير لإحدى الصحف الأمريكية بأن الملك سعود يعامل أحد حرّاسه كالعبيد تسبب في أزمةٍ ومَنَع أي إيراني من دخول BwUD3rsCAAAaPn7السعودية لتعود العلاقات بسرعة للتقارب بسبب الخطر الناصري الذي كان يهدد النظامين الملكيين في تلك الفترة ، وباعتراف إيران بإسرائيل توترت العلاقات عام 1960م حتى اتحدت الأنظمة الملكية (السعودية وإيران والأردن واليمن) ضد عبدالناصر والجمهوريين في حرب 1962م حتى انسحاب مصر من شمال اليمن بعد 8 سنوات 1967م ، وبعد عام واحد توترت العلاقة لمطالبة إيران بضم البحرين إلى أراضيها بعد انتهاء الانتداب البريطاني ، ازداد التوتر أثناء الثورة الإيرانية 1978م ليصل إلى أوجه إبان الحرب العراقية الإيرانية 1980م إذ وقفت السعودية مع العراق ما أدى إلى اشتباكات سعودية إيرانية في الخليج ، لتنقطع العلاقات تماماً بعد صِدَامٍ بين الحجاج الإيرانيين والأمن السعودي في حج عام 1408ه- 1988م ، وتفجير الحرم 1989م .
اتسمت العلاقة في عهد الرئيسين رفسنجاني وخاتمي بالاستقرار ، و وقِّعَت الاتفاقية الأمنية بين البلدين 2001م ، ليعود التوتر في عهد أحمدي نجاد نتيجة تطور البرنامج النووي وتدخل إيران في العراق ودعمها المتزايد للحركات الشيعية المسلحة (حزب الله والحوثيين …) ، تصاعدت الأزمة في أعقاب الربيع العربي ودعم إيران لبشار الأسد ووقوفها ضد الثورة في سوريا في مقابل دعمها للحراك الشيعي في البحرين ، و زادَ الأزمةَ اعتقالُ شخصين يحملان الجنسية الإيرانية عقب محاولتهما اغتيال السفير السعودي السابق لدى واشنطن وزير الخارجية حالياً عادل الجبير .
و في 3 يناير من هذا العام قطعت السعودية علاقاتها السياسية والتجارية مع إيران كما حظرت السفر إليها إثر اقتحام سفارتها في طهران وقنصليتها في مشهد.
في ضوء ما تقدم من اضطراب في العلاقات ، وتغير موازين القوى في المنطقة خاصةً بعد احتلال العراق ومن ثم الربيع العربي ، واحتدام المواجهة بين المعسكرين في عدة أماكن ، تدرسُ هذه الورقة مستقبل العلاقات بين البلدين من أربع زوايا (أيديولوجية ، جيوسياسية ، العلاقة مع الغرب ، ملف النفط) .

البعد الأيديولوجي :
التصور الأكثر شيوعاً للأزمة بين البلدين يتمحور حول البعد “الطائفي” ، أي أن دوافع الصراع في المنطقة هي في الأساس (سنية /شيعية) ، وهذا ما سعى إلى تأكيده الرئيس الأمريكي أوباما حين وصف ما يجري في الشرق الأوسط بــ”صراع يعود إلى ألف عام” ، بيد أن إحالة ما يحدث إلى أسباب طائفية يختزل الحقيقة ويبسط ديناميكيات الصراع .
ربما كانت إيران ترغبُ إخفاءَ البعد الطائفي في سياساتها الخارجية غير أن الربيع العربي وفشل مشروع “تصدير الثورة” لم يسعفها لاستمرار ذلك ، فطالما سعت إلى الظهور في صف “الممانعة” وإطلاق الشعارات المناهضة للغرب وأمريكا ومحاولة الظهور كنصير للقضية الفلسطينية ، ولكن موقفها المضطرب من الربيع العربي والذي تفاوت من بلد لآخر ودعمها لحركات التمرد الشيعي أظهر الوجه الآخر من السياسة الإيرانية ، وبالتالي تميز الصراع واتخذ شكله الأيديولوجي بشكل أكبر .
كذلك لا يمكن تصوير دوافع السياسة الخارجية للسعودية على أساس طائفي فحسب ، فهناك محذور أساسي تفانت السعودية في استخدام البعد الديني لمحاربته وهو (الثورة) ومحاولة تقويض النظام الملكي حتى في الدول المجاورة كما حدث أثناء الثورة الإيرانية من دعم لنظام الشاه الملكي ، بل أنها دعمت النظام الملكي (الزيدي) ضد الثورة ذات الغالبية السنية في اليمن .
البعد الجيوسياسي [1]:
احتلال العراق عام 2003م والفراغ السياسي الذي خلفه سقوط واجتثاث نظام صدام حسين شكل حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة ، واكتمل استحواذ إيران على الهلال الخصيب [2]بسقوط الحلقة الأهم فيه (بغداد) ، الأمر الذي استفز السعودية ووتّر العلاقة بينها وبين إيران ، كما أنَّ سقوط صنعاء بيد الحوثيين نقل المأزق إلى الجنوب ، وأدخل السعودية في حرب مباشرة مع ميليشيات مسلحة ، وبالتالي لا زالت إيران تربح من هذه الناحية (الجيوبوليتيك) [3].
أما من ناحية توزيع النفط على الخريطة فالسعودية تقع على أكبر حقول النفط في العالم وتعتبر الرقم الصعب في ساحة الطاقة ، كما أنَّ إيران تمثِّل نقطة تقاطع أكبر حوضين للنفط والغاز في العالم [4]، و وقوع كليهما على ضفتي الخليج مبرر لصراع تفرضه الجغرافيا أيضاً .
الذي يربك السعودية ودول الخليج هو ديموغرافية مناطق وفرة النفط ، يظهر هذا جلياً في دراسة تقول بأنَّ 61% من سكان منطقة الخليج العربي هم من الشيعة (81,3 مليون نسمة) وهو مجموع الشيعة في كل من: إيران والعراق ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، وتذكر الدراسة أن نسبتهم في الدول الخمس المستحوذة على 58% من احتياطي النفط العالمي (السعودية ، إيران ، الكويت ، العراق ، الإمارات) يمثل 62% ، ما جعل الدراسة تقرر أن التعاون مع شيعة الخليج !! يصب في المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة [5].

العلاقة مع الغرب :
لا تزال العلاقة مع الغرب معياراً لطبيعة العلاقات بين البلدين ، فإيران تتهم السعودية بجلب “الشيطان الأكبر” للخليج ، بينما تفسر السعودية هذا الاتهام بطموحات توسعية للمشروع الإيراني .
الرؤية الأمريكية في الآونة الأخيرة تعتمد استراتيجية الاستدارة (pivot) ، فالإدارة الأمريكية تعتقد أنَّ الحفاظ على الزعامة يكون بـ(إشعال الاقتصاد) -كما يعبر عنه أوباما- ، وعدم شن حروب على (الإرهاب) وإنما الاكتفاء بمساعدة الدول الأخرى على محاربته ، وهذا ما يُظهر تناقضاً بين أولويات إدارة أوباما و دول الخليج ، خاصةً أن منطقة الخليج تستهلك 15% من نفقات الميزانية العسكرية الأمريكية ! ، كما أن (استراتيجية الركنين) [6]التي يبدو أن الولايات المتحدة انتهجتها تقتضي إعادة النظر في علاقتها مع إيران وفي المقابل منعها أو غيرها من الانتصار في مناطق الصراع المسلح بما يؤدي إلى توازن القوى حسب المواصفات الأمريكية .
إيران في المقابل تسعى لأن تطمئن الغربَ بأنَّ البرنامج النووي طوته صفقة[7] (5+1) ليتمكن النظام المزدوج (الثورة/الدولة-المرشد/الرئيس) من إعادة التموضع عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ، وقد استفادت إيران في زيادة هامش المناورة من سياسة “الحد الأدنى” [8]التي انتهجتها أمريكا لتبديد جمود العلاقة والتوصل للاتفاق النووي.
من ناحية دول الخليج والسعودية خصوصاً ، فقد تراكم التخوف من النوايا الأمريكية وتغير استراتيجيتها في المنطقة ، فالموقف الغربي من الربيع العربي في بدايته ، والتقارب مع إيران والاتفاق النووي ، وتراجع مواقفها في سوريا ، والمخاوف من انتاج النفط الصخري ، وما ذكرناه سابقاً من “استدارة” وربما اتجاه نحو آسيا والباسيفيك ، واحتمالية تخفيض الوجود العسكري الأمريكي ، كل هذا أثار مخاوف السعوديين .
من الواضح أن هناك تطور في السياسة الخارجية السعودية ، لكن لا تزال عقدة (النفط مقابل الأمن) عند السياسي في السعودية تحُول دون المزيد من التقدم الفعلي وبسببها اقترف السياسي في الماضي كوارث باعتماده على القوة الناعمة والدبلوماسية على حساب بناء القدرة العسكرية والمبادأة في اتخاذ القرارات .

ملف النفط :
قال أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي الأسبق : “لتدمير دول أوبك الأخرى ، يكفي أن ندفع إنتاجنا إلى أقصى طاقته ، ولتدمير الدول المستهلكة ، يكفي أن نخفض معدلات إنتاجنا” .
تتخذ السعودية إجراءات من شأنها خفض أسعار النفط ، في محاولة لضبط السلوك الإيراني بعد انتهاء مرحلة العقوبات على إيران واستعادتها حوالي 100 مليار دولار ، هذا مع أنَّها الأكثر تأثراً بهذا المستوى من الأسعار (تمثل ايرادات النفط أكثر 92% من صادرات السعودية و80% من دخل ميزانيتها) ، في حين تعتمد إيران على 47% من دخلها على النفط ، ولهذا تَنتقد إيران سياسةَ المملكة النفطية لعدة سنوات مضت وتتهمها بعدم رغبتها في خفض الإنتاج لعدم التأثير على مصالح الولايات المتحدة .
بالتأكيد يؤثر هذا على اقتصاد إيران ، ولكنه يُفَسَّر من جهة أخرى بمحاولة إنعاش الاقتصاد والسياسة الأمريكية ، فتعافي الاقتصاد الأمريكي ارتبط دائماً بهبوط أسعار النفط ، ولذلك تعد أسعار النفط من قضايا الأمن القومي لدى الولايات المتحدة ، كما أن روسيا تقف على شفير أزمة اقتصادية أحد أهم أسبابها تراجع أسعار النفط وهذا سيؤثر على نفوذها في أوكرانيا وسوريا لصالح المعسكر الغربي .

مستقبل العلاقة :
بالنظر إلى المتغيرات الإقليمية التي تتعارض مصالحُ البلدين في كل قطر منها ، وبما أنَّ إمكانية المواجهة مرتفعة في أكثر من مكان ، مع عدم ظهور حل سياسي في الأفق لأزمتي سوريا واليمن ، تتلخص السيناريوهات المستقبلية في :
أولاً : استمرار التوتر والمقاطعة السياسية ، والحيلولة دون وقوع اشتباك مسلح أو ما شابه من خلال الوساطات المختلفة التي ستلعب دوراً في استمرار الأوضاع على ذات الوتيرة .
يدعم هذا السيناريو عزم السعودية على إتمام أكثر الملفات للنهاية ، والتوازن الذي رجحته التحالفات والتقاربات مع تركيا وباكستان ودول أخرى ، بالتوازي مع سير هذه الدول -بدرجات متفاوته- في سياق المشاريع والرؤى الأمريكية .

ثانياً : عودة العلاقات السياسية بين البلدين في إطار مبادرةٍ ما ، لتحقيق صفقة إما في سوريا أو في اليمن أو في أحد ملفي النووي أو النفط ، مع بقاء التنافس والصراع الذي لا يمكن أن يتلاشى في المستوى المنظور .
يدعم هذا تناقض أهداف الدول المتضررة من سياسات إيران ، وانعدام الثقة بينها ، والاعتماد على القوى الخارجية في قضايا الأمن و الدفاع .

ثالثاً : مواجهة عسكرية مباشرة أو شبه مباشرة ، من خلال ميليشيات في البلدان المأزومة ، و ربما تضطر السعودية للتدخل مباشرةً ، لما حدث من استعداء للتيارات والحركات الإسلامية والشعوب الثائرة خلال فترة الردة على الربيع العربي فقد زاد البونُ و تسلل التوجسُ في تعاملها مع السعودية.

توصيات :
1- تعزيز الحكومة السعودية لقيم المواطنة من خلال رفع مستوى المشاركة الشعبية وإتاحة مساحة أوسع للحريات, فالشعب هو السلاح الأمضى والداعم الأوثق.
2- الكف عن الهجمة الغير مبررة على حركات تمثل الإسلام الوسطي,مع احتوائها وتوظيفها في مقابل أذرعة إيران المختلفة.
3- إنشاء مراكز دراسات تهتم بالشأن الإيراني في السعودية للتأثير على صانع القرار وتوجيهه .
4- إتاحة الفرصة للجمعيات الخيرية لصد النفوذ الإيراني ووقف حركة التشيع المحمومة .
_______________________________________
[1] الجيوسياسية (أو الجيوبوليتيك) مصطلح تقليدي ينطبق في المقام الأول على تأثير الجغرافيا على السياسة، فهـو علم دراسة تأثير الأرض (برها وبحرها ومرتفعاتها وجوفها وثرواتها وموقعها) على السـياسة في مقابل مسعى السياسة للاستفادة من هذه المميزات وفق منظور مستقبلي (ويكيبيديا) .
[2] لهلال الخصيب مصطلح جغرافي أطلقه عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد على حوض نهري دجلة والفرات، والجزء الساحلي من بلاد الشام (العراق ، سوريا ، فلسطين ، الأدرن ، لبنان) .

[3] الجيوسياسي ، سبق شرح معناها .
[4] تقع إيران على طرفي الصفيحة العربية والصفيحة الأوراسية ، وتعتبر الصفيحتين غنية بالبترول والغاز . http://www.resilience.org/stories/2008-12-23/shia-islam-and-oil-geopolitics [5
[6]استراتيجية اعتمدها الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي وتستند في آن إلى الرياض وطهران لضمان الأمن في الخليج.
[7] الوصف السعودي “للاتفاق النووي” ، لاضفاء نوع من عدم الوثوق بإيران والتزامها .
[8] وصف للسلوك الأمريكي في التفاوض ، حيث سعت إدارة أوباما للحصول على الاتفاق النووي كمكسب وإنهاء الخطر المحدق بأمريكا ومصالحها (السلاح النووي) بغض النظر عن سلوك إيران السلبي في المنطقة ، وبالتالي اتخاذ أقل الشروط للتوصل للاتفاق .

 

شاهد أيضاً

السعودية-وتركيا-تتفقان-على-إنشاء-مجلس-تعاون-استراتيجي-لتعزيز-التعاون-العسكري-والاقتصادي-بينهما

التدخل البري السعودي في سوريا: الدوافع و المآلات

مقدمة شهدت بروكسل يوم الخميس 11 فبراير اجتماعاً استثنائياً لوزراء دفاع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ...