BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقدير موقف / التحالف العسكري الإسلامي : الدوافع والتوجهات

التحالف العسكري الإسلامي : الدوافع والتوجهات

مدخل :
في ليلة 15 ديسمبر 2015 خرج الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع منفرداً في مؤتمر صحفي(1) تظهر خلفه أعلام عدد من الدول الإسلامية ليجيب عن تساؤلات الصحفيين حول البيان المشترك لإنشاء التحالف الإسلامي العسكري لمواجهة الإرهاب(2)، الذي تكون من 34 دولة مع تأييد عشر دول أخرى وربما ستنضم إليه لاحقاً ، ومقره الرياض.
أوضح المؤتمر الصحفي أن التحالف للتنسيق بين الدول التي تحارب الإرهاب بشكل منفرد بينما المنظمات الإرهابية تعمل تحت قيادة واحدة ، وبيّن أن التحالف ليس إلزامياً وكل دولة تساهم حسب قدرتها ، كما ذكر أن التحالف سيواجه الإرهاب فكرياً وإعلامياً بجانب الجهد الأمني الذي أشاد به ، كما أن التدخل في الدول سيكون عن طريق الشرعية في جوابه عن إمكانية التدخل العسكري في العراق وسوريا .
وفي اليوم التالي لتصريحات الأمير أكد العميد أحمد عسيري (3) بشكل واضح وصريح أننا لا نتحدث عن تشكيل قوة عسكرية بل نتحدث عن تنسيق جهود وتبادل معلومات وتنسيق عمليات ، وقال إن الجماعات الإرهابية لن تجد ملاذاً آمناً وأن مركز العمليات سينسق العمليات بكل أبعادها سواء فكرية أو أمنية أو إعلامية أو مالية لتجفيف منابع الإرهاب ، وأشار أن الحديث عن وضع مفهوم عمليات وسيناريوهات للعمل من السابق لأوانه ، وبأن العمل على تأسيس مركز العمليات قد بدأ ، وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية التركية طانجو بيلغيج: “يمكنني القول إنه لن يكون هناك بنية عسكرية لهذا التحالف، فهذا ليس على الأجندة” (4).
سنبحث في هذه الورقة السيناريوهات المحتملة لتوجهات هذا التحالف مع الأخذ بعين الاعتبار دوافع الدول الفاعلة فيه .

التشكُّل والإعلان:
في ظل موجة التحالفات وحالة الاصطفاف يأتي هذا التحالف في سياق محاولة خلق توازن لتجاوز حالة الفوضى التي شهدتها المنطقة ، فهناك تحالف دولي تقوده أمريكا لمحاربة داعش ، وتحالف آخر بقيادة روسيا يضم إيران والعراق ونظام الأسد ، ومع تحقيق التحالف العربي لمساندة الشرعية الذي تقوده السعودية في اليمن انتصارات وتقدم على عدة جبهات ، يأتي هذا التحالف لمحاولة ملئ الفراغ وانهيار بعض الدول التي أصبحت مجالاً حيوياً لأطراف تهدد أمن المنطقة .
تكرر الطلب الأميركي والأوروبي لتدخل الدول العربية في مواجهة إرهاب داعش وتشكيل قوة عربية على الأرض لمحاربتها بمساندة القصف الجوي للتحالف الدولي ، وقد جاء هذا التحالف الإسلامي فيما يبدو مستغلاً أو مستجيباً لهذا الطلب المتكرر.
تشكيل هذا التحالف وإن شابته شوائب الاستعجال و الارتباك في تصريحات بعض دوله ، إلا أنه أوصل رسائل سياسية للإقليم وخاصة إيران بأن مشاريع عسكرية أخرى تتواجد وتتشكل ، وللعالم بأن الدول الإسلامية هي أكثر الدول تضرراً من الإرهاب وأكثرها محاربة له ، ويعتبر التحالف أحد الردود العملية على اتهامات الغرب للإسلام ودوله بالإرهاب كما صرح أحمد داوود أوغلو رئيس وزراء تركيا(5).

الاستبداد والإرهاب :
يكاد يجمع المحللون على أن هذا التحالف الإسلامي يسعى لدفع تهمة الإرهاب عن الدول الإسلامية وعن الإسلام ، وهي تهمة يروج لها بشكل واسع في الغرب ضمن ما يسمى (بالإسلامفوبيا) ، لكن المعضلة الكبرى لهذا التحالف هي في إيجاد تعريف واضح ومحدد للإرهاب ، لأن الواقع يقول أن مصطلح ( الإرهاب) هو أكثر المصطلحات المعاصرة عمومية ، وهو المصطلح الأكثر ضرراً في فعله وردة فعله ، وهو مصطلح يتوسع ويضيق بحسب عضلات الدول المفسرة له .
الإرهاب هو ابن الاستبداد ، والتاريخ القريب يخبرنا أن الجماعات التكفيرية خرجت من سجون الأنظمة المستبدة ، إرهاب الدولة هو من أخرج الجماعات الإرهابية ابتداءً ، وهو من يغذيها بشكل رئيسي إلى اليوم ، ومن هنا فإن أي تجاهل لإرهاب الأنظمة يجعل الانتصار على الجماعات الإرهابية مؤقتاً أو بشكل ظاهري لا جذري ، ومعالجة المشكلة تبدأ بمعالجة السبب ، وقد خرجت الشعوب العربية في هذه السنوات منذ 2011م مطالبة برفع ظلم (الاستبداد) عنها ، فمواجهة إرادة الشعوب المطالبة بالعدالة والكرامة يغذي الظلم والاستبداد ويُنتج في المقابل تطرفاً وتشدداً .
(المقاومة ودفع المحتل و الجهاد و الإنفاق في سبيل الله و الدعوة إلى الله ونصرة المظلوم والتحرر من الظلم والاستبداد ومواجهة التبعية للمستعمر القديم والجديد…) ، كلها مفاهيم تندرج تحت مظاهر الإرهاب كما يصنفها العالم الغربي ، وخضوع التحالف الإسلامي العسكري لهذه لرؤية الغربية يحكم على عمله بالفشل بل ربما يعزز الإرهاب لا يردعه ، وإن مراعاة دول التحالف للخارج الغربي دون الداخل الإسلامي في خطابها السياسي ومفهومها حول الإرهاب ونظرتها للإسلام يفقدها الانسجام المطلوب مع شعوبها ويفقدها القوة التي تستند عليها في الأساس .

ومن الجدير بالذكر أن أمريكا بمؤسساتها حريصة على عدم تعريف الإرهاب تعريفاً متفقاً عليه دولياً بل تريد أن تفرض تعريفاتها على العالم وبحسب فهمها هي فقط ، أشار إلى ذلك روبرت فريد لاندر قديما بقوله: “إن إدارة ريغن ممثلة في وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالية، ووزارة الخارجية تعارض بشدة إدخال أي تعريف للإرهاب محلياً أو دولياً في صلب القانون”(6) ، ويبدو الوضع على حاله.

غموض المستهدف :
لدول التحالف الإسلامي قوائم متعارضة لتصنيف الجماعات الإرهابية، ولا تتفق سوى على تصنيف القاعدة والنسخة الأحدث منها داعش ، ويبدو أن عمل التحالف الإسلامي سيركز على هذين المكونين في هذه الفترة بحكم الضرورة .
وفي المقابل الجماعات والمليشيات المسلحة الشيعية تتلقى دعماً صريحاً ولا محدوداً من إيران ، ولديها أذرع في كثير من البلدان الإسلامية ، مع غض الطرف عنها من قبل الغرب الذي لا يرى إرهاب إيران و لا يتحسس منه ، وهذا يجعل التحالف أمام تحد حقيقي في تصنيف هذه المجاميع والمليشيات كمنظمات إرهابية يجب استهدافها ، مع أن طموح المواطن العربي والمسلم يذهب إلى أبعد من الأهداف المرسومة للتحالف في تصنيف إيران و إسرائيل ضمن قوائم الإرهاب .

السيناريوهات :
نجحت الدبلوماسية السعودية في الحشد لهذا التحالف وسجلت موقفاً إيجابياً لصالحها ، مع أنها في حاجة ماسة لخارطة طريق ومعالم واضحة ، وبالتالي تبقى السيناريوهات المحتملة لتوجهات هذا التحالف كما يلي :

السيناريو الأول : أن يتم تعريف الإرهاب تعريفاً واقعياً ، ويستهدف الثنائي المسبب للإرهاب (الظلم في الأنظمة ، والضلال في الجماعات) ، بحلول متدرجة ومتوازنة على جميع الأصعدة ومن ذلك إيجاد (عقد اجتماعي) تتبناه دول التحالف ويشجع الدول الأعضاء على تحقيقه ، وتحقيق الاستقلالية للقرار الاسلامي في مشروع حضاري واضح المعالم يزاحم وينافس المشاريع القائمة ، وفتح المجال للعمل الفكري والدعوي المعتدل الذي يتكفل بالرد على ضلال الجماعات المتطرفة ويرفد المشروع الحضاري التواصلي مع العالم .

السيناريو الثاني : أن يبقى مفهوم الإرهاب عائماً بلا تعريف واضح ، ويتبع الغرب في توصيفاته ومراميه ويحقق مصالحه ، ويستهدف كل من استهدفه الغرب من جماعات وقيم ، وخاصة المفاهيم الإسلامية كـــ (الجهاد و المقاومة، و التبرعات والأعمال الخيرية ، و الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … ) ، وهذا السيناريو هو السيناريو القائم في أكثر دول التحالف وهو الذي اكتسبت به التنظيمات المتطرفة شرعيتها ، واجتذبت مقاتليها .

السيناريو الثالث : أن يفشل التحالف في تماسكه وتحقيق أهدافه ، فتباين دوافع ومصالح الدول الأعضاء سيعززه عدم وجود ميثاق مشترك للتحالف واختلاف في معايير تصنيف الجماعات والمنظمات ، كما أن إمكانية تكييف الأهداف لمصالح بعض دوله أو قوى أخرى يمكن أن يسبب تصدعاً في أركان التحالف .

_________________________

(1) المؤتمر الصحفي .
(2) نص البيان من وكالة الأنباء السعودية ( واس).
(3) لقاء العميد مع قناة العربية الحدث .
(4) المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية التركية قناة CNN.
(5) تصريح رئيس الوزراء التركي .
(6) كتاب الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن، ص96.

شاهد أيضاً

السعودية-وتركيا-تتفقان-على-إنشاء-مجلس-تعاون-استراتيجي-لتعزيز-التعاون-العسكري-والاقتصادي-بينهما

التدخل البري السعودي في سوريا: الدوافع و المآلات

مقدمة شهدت بروكسل يوم الخميس 11 فبراير اجتماعاً استثنائياً لوزراء دفاع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ...