BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقدير موقف / التحالف السعودي التركي : ملامح التشكل و أدوار المستقبل

التحالف السعودي التركي : ملامح التشكل و أدوار المستقبل

مقدمة

إن الحديث عن العلاقات السعودية التركية في هذه المرحلة الحرجة بالنسبة لهما تجاوز مرحلة التعاون لما هو أبعد من ذلك, مرحلةٌ سِمتُها التواصلُ المستمر على مستوى الوزراء و القادة على شكل زيارات أو اتصالات منذ بداية التدخل الروسي المباشر في سوريا (سبتمبر 2015) , مع انسجام كبير في التصريحات ، وتطابق في بعض الرؤى .

لم يعد توصيف العلاقة بــــ (التعاون) محل خلاف , لكن هل وصلت العلاقة لمستوى تحالف استراتيجي , أم لا يزال مجرد تعاون لاجتياز الأزمة السورية الحالية وما نتج عنها من أزمات ؟!

في هذه الورقة نحاول استشراف مستقبل العلاقات بين البلدين ، وأثرها على المنطقة في ظل معطيات الواقع .

لمحة تاريخية عن علاقات البلدين

اتسمت المراحل التاريخية منذ إعلان تركيا الحديثة (1923م) وقيام الدولة السعودية الثالثة (1932م) بعدم السعي لتحسين علاقة البلدين الثنائية , وبقي التواصل عبر زيارات يتيمة للقادة في كل عقد تقريباً حيث زار الملك فيصل تركيا في عام ( 1966م) ، وأمضى بضعة ساعات فقط لحضور مؤتمر دولي ، ولم يقم أي ملك سعودي آخر بزيارة رسمية إلى تركيا خلال القرن العشرين , ومن جانبه قام الرئيس كنعان افرين ورئيس الوزراء تورغوت أوزال بزيارة إلى الرياض في عامي (1984م) و(1985م) على التوالي ، ثم زار ولي العهد السعودي الأمير عبد الله تركيا في عام (1984م (، ولم تتم أي زيارة بعد ذلك حتى عاود الملك عبدالله الزيارة في (2006م) لتهنئة الرئيس عبدالله غول بالمنصب , كما قام الرئيس غول بزيارات للسعودية بعد ذلك , مع تكرر زيارات أردوغان للسعودية ، ونيله جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام , ومع تطور الأحداث في المنطقة زار ولي العهد السعودي تركيا ، كما يتم ترقب زيارة مقبلة للملك سلمان في الأيام القادمة .

بعد قدوم حزب العدالة والتنمية لحكم تركيا (2002م) بدأ في هيكلة جديدة لسياسات تركيا الداخلية والخارجية فكان منها الانفتاح على الدول العربية والإسلامية , فتوالت الزيارات بين السعودية وتركيا على مستوى الوزراء وتم التواصل والتعاون الذي تركز في معظمه على المستوى الاقتصادي , مع الاتفاق على مكافحة الإرهاب , أما على المستوى السياسي فكان لكل بلد منهما سياسته الخارجية الخاصة , تتقاطع سياساتهما أحياناً , و تتصادم أحياناً أخرى كما ظهر في مصر بعد الانقلاب العسكري .

موقع البلدين ودورهما في الساحة الدولية

عانى كل من تركيا والسعودية من كونهما دولا “طرفية” بالنسبة للغرب , فتركيا كانت تمثل (محطة وجسر عبور) للدول الغربية أثناء الحرب الباردة , كما كانت السعودية (محطة وقود و دعم) أثناء ذات الفترة , فما الذي تغير؟!

يصنف أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي([1]) الدول في خمس مجموعات رئيسية من حيث وضعياتها المختلفة , وما تحققه تلك الوضعيات من نتائج: الدولة المركز, الدولة القارية, الدولة الجزيرة, الدولة الترانزيت, وأخيرا الدولة الجناح أو الطرفية ، و تركيا دولة طرفية بالنسبة للمعسكر الغربي , ويرى أنه يتوجب على تركيا القرن الحادي والعشرين أن تنخلع من كونها دولة طرفية , وأن تكتسب و بسرعة و ضعيتها كدولة لا تصرف جهودها فقط من أجل حماية استقرارها , بل وتوظفها لحماية نظامها من خلال الاضطلاع بدور يحمي استقرار و نظم الدول المجاورة , فتركيا –في نظر أوغلو- دولة مركز لأنها تحمل السمات الأربع الرئيسية لدولة المركز: العمق الجغرافي, الاستمرارية التاريخية, التأثير الثقافي المتبادل , الترابط الاقتصادي المتبادل .

السعودية بدورها تتميز بموقعها الجغرافي , وتاريخها السياسي , ومكانتها الدينية , وباقتصادها القوي , ولديها اليوم قيادة جديدة جريئة _كما يبدو_ في اتخاذ القرارات , فهي مرشحة لأن تكون “دولة مركز” بحسب تصنيف أوغلو .

مؤشرات التوافق

تناغمت سياسة البلدين الخارجية في الفترة الأخيرة , حيث رأينا الانتقاد المتوازي لمنظمة الأمم المتحدة والدعوة لإصلاح مجلس الأمن.

ففي سبتمبر 2015 اعتبر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن مجلس الأمن يعمل لخدمة مصالح الدول الخمس دائمة العضوية , وبعد أيام في أكتوبر 2015 تحدث المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة “المعَلِّمِي” عن ضرورة إصلاح إجراءات العمل في المجلس والتغيير الطوعي لاستخدام حق النقض ، وقال في كلمته «لقد أعربت المملكة العربية السعودية مراراً وتكراراً عن الدعوة إلى إصلاح مجلس الأمن وتطوير أساليب عمله ، ذلك أننا نعيش في عالم تمزقه آلة الحرب وتتصاعد فيه وتيرة العنف ، ونحن في أمس الحاجة لأن يكون مجلس الأمن قادراً على الاضطلاع بمهامه الأساسية في صون السلم والأمن الدوليين ، والدفاع عن الشرعية الدولية”

وعلى المستوى الإقليمي فتصريحات أردوغان القوية في دعم عملية عاصفة الحزم و إدانة إيران وتدخلاتها في المنطقة , والدفاع عن المملكة في حادثة منى , كانت مثالا على التقارب بين البلدين.

وقد باتت تصريحات أوغلو رئيس الوزراء التركي والجبير وزير الخارجية السعودي متطابقة حول الأزمة السورية , آخر المواقف المتطابقة كانت لهما في حوار فيينا الذي شاركت فيه 17 دولة إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي الجمعة 30 أكتوبر 2015 , حيث أصرّت كل من السعودية وقطر وتركيا على رحيل بشار الأسد سواء تم ذلك بحل سياسي أو عسكري.

نقاط الائتلاف و الاختلاف

في ظل الظروف التي تعصف بالشرق الأوسط , تحولت بلدانه لمسرح عمليات عسكرية و معارك سياسية بين أطراف عالمية وإقليمية مختلفة , تبقى لدى البلدين (السعودية وتركيا) القيمة الأندر وجوداً في المنطقة اليوم “الاستقرار” , الذي يعتبر ملمح التشابه الأبرز ، وحجر الزاوية في أي تحالف مستقبلي بينهما.

الخطر المشترك بكل أشكاله والذي ينطلق في حربهما من جغرافية واحدة (سوريا والعراق) ويهدد استقرارهما من داخلهما عبر مليشيات كامنة وطائفية لا تخفي مناصرتها لكل توجهات إيران, هو نقطة إتفاق أخرى تدفع نحو التحالف, وهو ما يستدعي الآن خلية أزمة بين البلدين لمتابعة الأوضاع التي تتطور بسرعة غير مسبوقة مع دخول الدب الروسي للحرب بشكل مباشر, وتغير قواعد اللعبة في المنطقة بشكل عام.

كما أن البلدين يتميزان بثقل (سياسي اقتصادي) في المنطقة لا يملكه أي بلد آخر , و هذا الثقل مهدد في هذه المرحلة التاريخية أشد من أي وقت مضى ، ما يستدعي سرعة التحالف لإنقاذ موقعهما الذي بدأ يهتز جراء سقوط البلدان في يد إيران بلداً تلو آخر , إلم يكن بشكل صريح كما في العراق وسوريا ولبنان , فبتحييد بعض الأطراف كما في حال النظام المصري المرهق و المتخبط, ونظامي الأردن وعمان الغامض, ونظام الإمارات الحالم .

نقاط الاتفاق هذه ( الحفاظ على الاستقرار المهدد ، مواجهة العدو المشترك ، المحافظة على التأثير والموقع السياسي والاقتصادي) ومع سابقة التحالف القطري التركي ، كل هذا يعتبر رافداً ومبرراً لإمكانية قيام تحالف بين البلدين يصمد أمام تحديات المرحلة .

مع الأخذ في الاعتبار أن الطريق نحو التحالف ليست مفروشة بالورود فهناك ملفات و نقاط هي محل خلاف بين البلدين بدءاً من شكل نظام البلدين (الملكي ، الديمقراطي) ، كما أن وجود تيار سعودي ذي وجهين متناقضين (أصولي/ليبرالي) متمكن إعلامياً وبلا أي ثقل شعبي يحاول منع مثل هذا التحالف باستدعاء ما يمكن أن يكون نقاط اختلاف بين البلدين .

يساعد على تجاوز مثل هذه الموانع وجود قيادة جديدة في المملكة تنفتح على كافة الخيارات و تعمل بجدية على وجود حلول لمشكلات المنطقة المقلقة , مع وجود حزب العدالة والتنمية صاحب الأصول والتوجهات الإسلامية , في ظل هذه الإرهاصات ينتظرُ البلدان معاً انتخابات تركيا المقبلة حيث ستكون حاسمة ليس على مستوى تركيا فحسب بل على مستوى المنطقة بشكل عام خاصة في حال خسارة الحزب الحاكم لمزيد من المقاعد لصالح أحزاب أخرى قد تكون ضد أو أقل حماسة للحلف المشترك.

ملامح التشكل و أدوار المستقبل

ينتظر البلدان ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار علاقتهما , لكل سيناريو مجاله وانعكاساته على البلدين والمنطقة , وله استحقاقاته أيضاً :

السيناريو الأول: التحالف الاستراتيجي بين البلدين على كل المستويات ، المستوى العسكري والمعلوماتي بشكل أساسي مع المستويين السياسي والاقتصادي.

ولهذا السيناريو انعكاسات إيجابية كثيرة على المنطقة ومسار الأحداث فيها , حيث سيشكل الحلف قوة إقليمية لا يُستهان بها عالمياً , وسيتحرك هذا التحالف _في عالم لا يؤمن بغير القوة_ كقوة قائدة منافسة في المنطقة , كما سيحد من نفوذ إيران ويسحب البساط من تحت التنظيمات المتطرفة في حال تبني هذا التحالف القوي لقضايا العرب العادلة.

قد يواجه هذا التحالف عقبات ومحاولات عرقلة من أطراف دولية عدة كإسرائيل ومن خلفها أمريكا وأوروبا , وإيران ومن خلفها روسيا والصين , أدواتهم في الإعاقة ستتركز على افتعال المشكلات الداخلية .

السيناريو الثاني: التعاون المرحلي في كل ملفات المنطقة كما هو حاصل الآن , مع البحث عن حليف قوي ليبقى البَلدان في ظله , وهذا التوجه يناقض رؤية تركيا الاستراتيجية وسياستها الخارجية , ولا يوجد مرشح للقيام بدور الحليف القوي بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن دورها المحوري , كما أن الدول الكبرى لا تخفي نيتها في تغيير خارطة الشرق الأوسط اختصرها رئيس الاستخبارات الفرنسية بقوله: الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى.

ويبدو هذا السيناريو بالنسبة لتركيا مرحليا للانتقال نحو السيناريو الأول , ويبقى القرار بيد السعودية وبقية دول الخليج للانتقال من هذا السيناريو نحو السيناريو الأول الأكثر نجاعة بالنسبة لجميع الأطراف.

السيناريو الثالث: التعاون في ملف الثورة السورية دون غيرها , وربما كان هذا السيناريو هو القائم قبل وصول القيادة السعودية الجديدة للحكم و قبل عاصفة الحزم والتدخل الروسي المباشر , ويبقى هذا المسار دون الطموحات , حيث سيتم نقل المشاكل لداخل جغرافيتهما , وسيستمر توسع الخطر المتمثل في إيران وإسرائيل والسعي لتقسيم بلدان الشرق الأوسط بما يهدد السعودية نفسها.

[1] ) كتاب العمق الاستراتيجي , أحمد داوود اوغلو, ترجمة : محمد جابر ثلجي و طارق عبدالجليل , 2010.ص608 و ص611

شاهد أيضاً

السعودية-وتركيا-تتفقان-على-إنشاء-مجلس-تعاون-استراتيجي-لتعزيز-التعاون-العسكري-والاقتصادي-بينهما

التدخل البري السعودي في سوريا: الدوافع و المآلات

مقدمة شهدت بروكسل يوم الخميس 11 فبراير اجتماعاً استثنائياً لوزراء دفاع التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ...