BIGtheme.net http://bigtheme.net/ecommerce/opencart OpenCart Templates
الرئيسية / تقارير ودراسات / الطائفية السياسية والإرهاب وأثرهما على الأمن الوطني والجماعي الخليجي
201511491358896580_19

الطائفية السياسية والإرهاب وأثرهما على الأمن الوطني والجماعي الخليجي

ملخص

قع دول الخليج العربية بمكوناتها الدينية والطائفية وأهميتها الاقتصادية والجيوستراتيجية في قلب المعادلة الاستراتيجية الكونية وتُعد واحدةً من رافعتها الأساسية. تعتبر الطائفية السياسية والإرهاب اللذان يعصفان بدول الجوار، من أهم التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي، ولفهم تأثيرهما يسعى الباحث في هذا التقرير إلى تفكيك مفهوم الطائفية السياسية ومكوِّنها الخليجي، وم ثم إلى تقييم حجم وطبيعة الدور التوظيفي الخارجي لها، وصولًا إلى محاولة الإجابة على إشكالية مدى تشكيل الإرهاب لتحدٍ خطير على استقرار دول المجلس.

حيث تنطلق فكرة هذا التقرير من أن الإرهاب والطائفية السياسية بأنواعها، لا تزال نائمة في دول المجلس، إلا أن رؤوس جسور الطائفية قد مُدَّت بالفعل. وأنَّ الطائفية والإرهاب توءمان شريران متداخلان لا يمكن معالجة الأول دون ترك الآخر، فهما يشكِّلان طيفًا متداخلاً في السبب والنتيجة إلى الدرجة التي يصعب عندها تحديد من يأتي أولاً ومن هو التابع، كذلك فهما متشابهان في السلوك الخارجي؛ ما يزيد الحيرة حول ما هو منها تلقائي التفجر وما هو مُصطنع.

مع التأكيد بأن الإرهاب كالمرض ينتقل بالعدوى.ويخلص التقرير إلى أن الطائفية والإرهاب قد لا يشكِّلان خطرًا على المدى القريب على أمن مجلس التعاون الخليج، أما على المدى المتوسط فذلك مرهون بزخم التدخلات الخارجية تجاه مساندة الحراك الطائفي في الخليج ومحيطه، ومرتَهَن أيضًا بتقارب وتوحد نشاطات حركات الإسلام السياسي والجهادي والفكري أيضًا في المنطقة وقدرة اللاعبين الخارجيين على إدارة وتوجيه هذه القوى للتأثير في معادلة الأمن الخليجي القائمة.

مقدمة

يشهد العالم تحولات استراتيجية مهمة تنذر بتراجع قوى كبرى وتقدُّم أخرى، وما يتبع ذلك من استقطابات وتحالفات جديدة وتنافس قد يأخذه الاحتدام إلى أزمات وصراعات مركَّبة.

يقع الخليج العربي بمكوناته الدينية والطائفية وأهميته الاقتصادية والجيوستراتيجية في قلب هذه المعادلة الاستراتيجية الكونية ويُعد رافعتها الأساسية. و تكمن الفرص في منعطفات هذه التحولات الاستراتيجية كما تتجلَّى المخاطر. إنَّ من أهم التحديات التي قد تؤثر على الأمن الوطني والجماعي الخليجي، في ظل احتدام العولمة، تحدي الطائفية السياسية والإرهاب الذي يعصف بدول الجوار والذي أصبح كحبل من مسَدٍ يلتف حول عنق دول المجلس؛ مما يستلزم قوة طرد مركزية خليجية تفتِّت هذا المركَّب الطائفي الإرهابي، أو على الأقل تبقيه بعيدًا عنها ريثما تستجمع قواها وتعيد تأهيل أدواتها.

لفهم تأثير الطائفية السياسية والإرهاب على الأمن الوطني لدول المجلس، ينبغي أولاً تفكيك مفهوم الطائفية السياسية ومكوِّنها الخليجي، ثم تقييم حجم وطبيعة الدور التوظيفي الخارجي، وأخيرًا التساؤل عن ما إذا كان جحيم الإرهاب في دول الجوار يشكِّل تحديًا لاستقرار المجلس.

يتمحور هذا التقرير حول فكرة أساسية مفادها أن الإرهاب والطائفية السياسية بأنواعها، لا تزال نائمة في دول المجلس بالرغم من إيقاظها من وقت لآخر، إلا أن رؤوس جسور الطائفية قد مُدَّت بالفعل. كذلك فالطائفية والإرهاب توءمان شريران متداخلان لا يمكن معالجة الأول دون ترك الآخر، فهما يشكِّلان طيفًا متداخلاً في السبب والنتيجة إلى الدرجة التي يصعب عندها تحديد من يأتي أولاً ومن هو التابع، كذلك فهما متشابهان في السلوك الخارجي؛ ما يزيد الحيرة حول ما هو منها تلقائي التفجر وما هو مُصطنع، ولا شك بأن الإرهاب كالمرض ينتقل بالعدوى ما لم تتم الوقاية منه.

مفهوم وجذور الطائفية السياسية

يُقصد بالطائفية السياسية هنا توظيف الدين من منطلق طائفي لأغراض سياسية مصالحية، وهو نمط من التحيزات السياسية، ولكن بغطاء مذهبي أو ديني، يتمترس خلفها البعض لتحقيق أجندته الخاصة، ويلجأ لها الكثير من الفاشلين سياسيًّا في بناء الدولة المدنية لتغطية فشلهم باستدعاء عصبية الطائفة أو القبيلة أو المذهب.

تعود جذور الطائفية في إطار الديانة المسيحية في أوروبا إلى الأحداث الدموية التي حدثت خلال العصور الوسطى بين البروتستانت والكاثوليك أو الأرثوذكس والكاثوليك أو حديثًا في إقليم أيرلندا الشمالية التابع لبريطانيا. وقد شهدت الهند قبل عهد الاستقلال حربًا طائفية بين الهندوس والمسلمين، أفضت إلى تقسيم الهند عام 1947 إلى دولتي الهند وباكستان (1). وفي لبنان الحديث اتخذ الصراع الطائفي مسارات عديدة، نجم عنها حرب أهلية شرسة لقرابة عقدين من الزمان ونتج عنها دستور ونظام برلماني ديمقراطي مبني على طائفية دينية سياسية.

وفي العراق بعد حرب اجتياح العراق عام 2003 جرى تسييس الدستور والهوية الشيعية بإرادة أميركية وإيرانية واضحة. وفي هذا الشأن يعلِّق المفكر الفلسطيني عزمي بشارة قائلاً: “إن تحويل الطائفية الاجتماعية إلى طائفية سياسية هو مِن نتائج التدخل الأميركي والإيراني لضرب الدولة في العراق، وجرى بعد الاحتلال تبني نظام ديمقراطي من حيث الشكل، في حين يجري تنظيم السكان سياسيًّا على أساس طائفي، وتتعامل الدولة معهم على الأساس نفسه؛ ما جعل الديمقراطية أداة في تطييف الدولة وأجهزة القمعِ مع تهميش الطوائف الأخرى” (2).

وهكذا نرى أنه في الطائفية السياسية ينسلخ الدين من ميدانه الأصلي في ترسيخ العقيدة الدينية وبناء العقل الأخلاقي القيمي ليصبح أداة للنفوذ بأيدي أناس قد لا يتسمون أصلاً بأدنى معايير التدين.

تغذية الإسلام السياسي الشيعي في الخليج والانزلاق نحو الإرهاب

مهما علت أصوات الخلاف داخل المذهب السني في الخليج، فسيبقى خلافًا فقهيًّا أفقيًّا وتنافسًا بين المحافظين والإصلاحيين على التأثير في الوعي السياسي والشعبي، لكن ما يمكن أن يكون صراعًا وجوديًّا وداميًا هو استمرار إيران في التعبئة الطائفية تحت ذرائع المظلومية التاريخية والأقلية المقصاة، وسط صمت مطبِق بل بمباركة أحيانًا من القوى العظمى خاصة الولايات المتحدة الأميركية.

تركيبة ديمغرافية خليجية مركَّبة لكن متعايشة

قبل تحليل خطورة المد الصفوي الطائفي الذي تتبناه إيران لتوسيع محيط ثورتها الإسلامية، لابد منهجيًا من التذكير ببعض الإحصائيات حول الديمغرافية الطائفية والعرقية الخليجية وفق تقديرات (CIA) وتقرير الأطلس العربي نقلاً عن الكاتب كاظم شبيب: “في السعودية، تحكمها أكثرية سنِّية وفيها أقلية شيعية 10% من السكان, وفق التعداد السكاني في سبتمبر/أيلول عام 2004, وأخرى إسماعيلية 3%. وفي البحرين أكثرية شيعية -كما يقول التقرير- ولكن يوجد فيها العديد من الأقليات العِرقية والدينية, مثل الإيرانيين 10%, والآسيويين من غير الإيرانيين (الهنود والبلوش والباكستانيين وغيرهم) 17%. وفي قطر, يشكِّل الإيرانيون (بمن فيهم البلوش) 10% من إجمالي السكان, فيما يشكِّل الباكستانيون (بمن فيهم البلوش) 18%, والهندوس 3%، ويمثل الشيعة نسبة 10%. وفي الكويت تحكمها أكثرية سنِّية 45% وفيها أقلية شيعية 30%، وفيها مسيحيون عرب 8%, وإيرانيون 5%. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة, فيشكِّل السكان من أصل إيراني 12% من السكان, والآسيويون الآخرون 50%, ويمثل الشيعة 16% من السكان, والسُّنَّة 80%, والأديان الأخرى 4%. وأخيرًا في سلطنة عُمان؛ فالنظام الرسمي فيها يعتنق المذهب الإباضي، وترجع جذور الإباضية في عُمان إلى القرن الثامن الميلادي, بالإضافة إلى وجود جميع الطوائف الإسلامية السنية والشيعية، ويشكِّل الإباضيون 80% من السكان” (3).

مع كل هذه الفسيفساء الدينية والعرقية ظلَّ الخليج متعايشًا وهادئًا فلم تحرك مياهه الهادئة خلافات الساسة ولا مصالح الغزاة. يؤكد ذلك الدكتور إبراهيم العسكر “بما يشبه اليقين أن منطقة الخليج لم تشهد حربًا طائفية ذات بال منذ القرن التاسع الميلادي الذي تشكَّلت فيه جماعات مذهبية دينية, وقامت فيه إمارات مذهبية في نواح مختلفة من منطقة الخليج” (4).

هذا الإرث التاريخي هو الذي أدى إلى نضوج ظاهرة الطوائف الدينية في الخليج ليس فقط بسبب حكمة زعمائه، ولكن أيضًا لسيطرة عقلية التجارة على معظم سكانه وخاصة الأسر الشيعية التي يعتبر بعضُها من أثرياء الخليج اليوم. لكن يبدو أنه قد ظهر من يدق المسامير في مفاصل هذا التعايش، مستغلاً ظاهرة العولمة التي أربكت، انسيابية أفكارها وفضاؤها التواصلي، السياسات التقليدية المحافظة والمجتمعات الهادئة.

تأثير المد الشيعي الإيراني على الأمن الوطني الخليجي

لم ينس ملالي الجمهورية الإسلامية وحرسها الثوري التعبئة السياسية والأيديولوجية لدول المجلس التي وقفت مع العراق في حربه ضد إيران. ومنذ نهاية الحرب أعدت إيران خطة استراتيجية بأدوات ناعمة وصلبة للثأر من المعسكر السُّنِّي العراقي والخليجي. ولذلك، كانت إيران أول المتحالفين مع أميركا منذ وصول طلائع القوات الأميركية لأفغانستان والعراق؛ حيث تهيأت الفرصة لاستغلال العراق كسرداب طائفي ثم منطلقًا للمد الصفوي لإقامة الهلال الشيعي على أمل أن يكتمل قمرًا، حين تتاح الفرصة لضم الخليج إليه. يصبُّ في صالح إيران كون العالم العربي والخليجي في حالة إنهاك وضمور بسبب تداعيات اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ومرورًا بمشروع الفوضى الخلاقة.

قبل ذلك سبق وأن قامت عناصر من حرس إيران الثوري بأعمال شغب مرات عديدة في الحرم المكي خاصة في 31 يوليو/تموز 1987 الذي نتج عنه مقتل 402 شخص من الحجاج. وفي عام 1996 اتُّهمت إيران بأنها وراء تفجير، المجمع العسكري الأميركي بالقرب من الظهران في السعودية.

وهكذا، رفعت إيران تدريجيًّا من سقف تداخلاتها موظِّفة الحراك الطائفي حول الخليج وداخله بهدف إخراجه من مجرد تفريعات مذهبية للديانة الإسلامية تعايشت قرونًا ليصبح وحدات سياسية واجتماعية وثقافية متباغضة ثم متنافرة فمتناحرة. لذلك، أوَتْ بعض قادة القاعدة وتبنَّت الفصائل الشيعية كحزب الله اللبناني، مرورًا بجمعية الوفاق البحرينية، وصولاً للتمرد الحوثي على بحر العرب؛ مما أوقع الخليجيين في كماشة طائفية إيرانية. هذا التبني والتحريض الطائفي أسفر عن عدة حوادث إرهابية ضد رجال أمن ومواطنين في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية والبحرين. يضاف ذلك إلى الاستفزازات العسكرية والنشاطات الاستخبارية والهجمات الإلكترونية ضد بعض دول المجلس الخليجي.

لقد وقع التأثير الأكبر للنَّفَس الطائفي الإيراني على مملكة البحرين حيث تعايشت هناك الطائفتان السنية والشيعية لمئات السنين دون توتر حقيقي حتى أتى من يصب الزيت على النار. حقيقة التصعيد الحالي كما يصفه الكاتب محمد الرميحي يكمن في أن “الاختلاف هو في الأساس سياسي، ركُبِّت عليه تصورات طائفية ممزوجة بشعارات دينية وما لبث الخلاف حتى احتدم حين أدركت دول المجلس أن صوت الطائفية والتمترس المذهبي وانتهاج العنف بدأ يسود المعارضة، وأن المشهد أصبح وكأنه حرب بالإنابة وخرج من سياقه الوطني… حيث تريد إيران من خلاله اختراق المنطقة العربية” (5). وهو ما دفع دول مجلس التعاون، ضمن استراتيجية وقائية شاملة، للتدخل من خلال قوات درع الجزيرة لمساعدة رجال الأمن البحرينيين على حماية المدنيين والمنشآت البحرينية، وهو ما عُدَّ مؤشرًا واضحًا على أن أمن منظومة دول المجلس كتلة واحدة لا تتجزأ، بالرغم من الخلافات العرضية.

تنظيم أنصار الله في اليمن: طائفية سياسية أخرى

لم تنجح إيران حتى الآن رغم محاولاتها الدؤوبة لتصعيد حدة العنف في الخليج تحت مطالب طائفية، ولذلك كان الخيار هذه المرة من منطقة العمود الفقري أو الحديقة الخلفية المتمثلة في اليمن الذي بقي أكثر من نصف قرن في شراكة سلام وتنمية (غير مكتملة) مع المملكة العربية السعودية قبل أن تلتقي المصالح الإيرانية والأميركية على الخوض في تجانسه وعروبته من خلال الورقة الطائفية لتنظيم “أنصار الله” الذي صنَّفته السعودية بأنه تنظيم إرهابي.

بتحليل نشأة الحوثية في اليمن ومراقبة خطابها الإعلامي ومنتجها الفكري وسلوكها السياسي والعسكري نلحظ مدى الحضور الطائفي الجعفري الاثني عشري في فكر قادته ومُلهميه؛ فمنذ بداية تسعينات القرن المنصرم غادر الأب بدر الدين الحوثي والابن حسين بدر الدين الحوثي إلى الحوزة الدينية في قم في إيران وعادا من هناك بمشروع سياسي وفكري طائفي متكامل شبيه إلى حد كبير بنموذج الثورة الإسلامية الإيرانية.

ومن دلالات الطائفية عند هذا التنظيم ما قام به حسين بدر الدين (الرمز والمؤسس الحقيقي للحوثية بشكلها الحالي) من إنزال لعلم الجمهورية اليمينة عام 2004 من عدة أماكن في محافظة صعدة ووضع علم حزب الله اللبناني مكانه، وهو ما يُعد دليلاً واضحًا على إرادة تطييف اليمن؛ وهو ما يتم اليوم من خلال التمدد السريع والقضم الاستراتيجي لميليشيا الحوثي من شمال اليمن إلى جنوبه.

هذا التمدد الحوثي المدعوم إيرانيًّا وأميركيًّا يُعد تهديدًا إضافيًّا على الحدود الجنوبية للسعودية وعُمان وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما أن مضيق هرمز يقع تحت سيطرة الإيرانيين وأن مضيق باب المندب الاستراتيجي والموانئ اليمنية قد تصبح تحت رحمة الحوثي؛ عندها تصبح إيران ليست فقط وصية على بحر الخليج، بل أيضًا على البحر الأحمر.

أميركا وورقة الأقلية الشيعية

أخذ المد الطائفي الشيعي في الخليج أبعادًا خطيرة بدعم معنوي ولوجستي ظاهر من قبل إيران، ولكن أن يُدعَم ويُغذَّى هذا التشنج الطائفي من قِبل الحليف الأميركي، فهو الأمر الذي يستحق التساؤل.

في الحقيقة أثبت التاريخ أن علاقة الاستعمار بنشوء الطائفية السياسية خاصة في العالم العربي متجذرة وأصيلة. وها هي أميركا تعيد حقبة من التاريخ بإيقاظها للطائفية في العراق وسوريا وباكستان، وصمتها ومساندتها للتمدد الطائفي الحوثي، من خلال استخدامها طائرات الدرون ضد القبائل التي تقاوم المد الحوثي، وتبريرها ما يحدث في البحرين، وعلى خجل في مدينة القطيف السعودية، بأنها معارضة سلمية.

ففي البحرين أظهر المسؤولون الأميركيون اهتمامًا كبيرًا بجمعية الوفاق المعارضة. وهنا تتساءل الكاتبة سوسن الشاعر تحت عنوان: هل غدت بالفعل «جمعية الوفاق» البحرينية «مسمار جحا» أميركيًّا؟ حيث أوردت “أن توم مالينوفسكي نائب وزير الخارجية الأميركي بدأ زيارته للبحرين بالتوجه لمقر جمعية الوفاق حتى قبل أن يقابل ولي العهد (وكأنه يريد معرفة مطالبهم كورقة ضغط ضد الحكومة)؛ وهو ما جعل ولي العهد يعتذر عن مقابلته. كذلك لم تتوقف مطابخ صناعة القرار الأميركي عن الاهتمام بالمعارضة البحرينية؛ حيث عبَّر سايمون هاندرسون مدير برنامج الخليج والطاقة في معهد واشنطن بقوله: “الحظر الذي فرضته البحرين على المعارضة الرئيسة يشكِّل معضلة للسياسة الأميركية” (6).

تحولات السلفية: من السكون إلى رمال السياسة ونفير الجهاد

يحمل مفهوم السلفية نظامًا معرفيًّا شرعيًّا سلميًّا خاصًّا به، لكن السلفية بسبب الجهاد في أفغانستان ومرورًا بما عُرف بالصحوة ثم حوادث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وأخيرًا “ثورات الربيع العربي” خرج عنها وحاد عن مسارها السلمي عدة سلفيات، أهمها: السلفية السياسية والسلفية الجهادية؛ مما أربك الترتيبات الأمنية التقليدية للأمن الوطني الخليجي.

السعودية بين سلفية الداخل وبراغماتية الخارج

تتبنى المملكة العربية السعودية المذهب السني (السلفي) منذ تحالف الإمام الأمير محمد بن سعود والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب (1703-1791) وحتى اليوم. والسلفية تعني العودة للمقاصد الصحيحة للإسلام كما طبقها السلف الصالح والتي لا تخرج كثيرًا في طبيعتها الأصلية عن مهمة بناء العقل الأخلاقي والقيمي وتصفية العقيدة من البدع والخرافات، وتفادي النصيحة الجهرية لولي الأمر “معظم السلفيين مسالمون وينبذون العنف ولا يهتمون بالسياسة ويقتصر جهدهم على التأصيل في العلم الشرعي وتربية الأتباع على العقيدة والتوحيد والفقه الشرعي” (7). وهكذا بقي هذا العَقد (السياسي-الديني) فاعلاً في السعودية حتى اليوم، بحيث تتولى الدولة ممثلة بالأسرة الحاكمة أمور السياسة وتتولى المؤسسة الدينية الرسمية بناء العقل الديني.

وقد نجحت الدولة ومعها القوة الدينية الرسمية في القضاء على أي اختراقات أو تحوير لهذا التحالف التعاقدي التاريخي عن مساره الأصلي، كحادثة الحرم المكي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، والتي تزعمها جهيمان العتيبي في محاولة فاشلة لقلب نظام الحكم في المملكة العربية السعودية، أو الحراك الصحوي الذي تلاه والذي عدَّه المستشرق الفرنسي ستيفان لاكروا محاولة لـ” تمرد فاشل” (8).

وقد لعبت الدعوة الإسلامية من خلال مشروع الملك فيصل (1964-1975) “التضامن الإسلامي” قوة مرنة فاعلة ودورًا مهمًّا في مقاومة النزعة القومية واليسارية العربية (خاصة ما يتعلق بالمشروع القومي الناصري)؛ حيث صرَّح الملك فيصل رحمه الله في خطاب تكريم رؤساء بعثات الحج عام 1966 عن التضامن الإسلامي: “إذا كانت هذه الدعوة -يا إخواني- تسيء أو لا تُرضي بعضهم كالاستعمار والشيوعية والصهيونية، فإنني مطمئن كل الاطمئنان لأن المسلمين سوف لا يلتفتون ولا يدخرون ولا يتخاذلون في سبيل نصرة الحق، في سبيل نصرة دينهم، وفي سبيل توحيد كلمتهم والتعاون على البر والتقوى” (9).

وبالفعل، أسهمت الدعوة الإسلامية إلى حد كبير في منع الأفكار القومية اليسارية والشيوعية من أن تمتد إلى منطقة الخليج العربي، ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بغضِّ النظر عن الغموض الذي أحاط بهوية من يقف وراءها كانت ذريعة لحملات سياسية وإعلامية أسهمت في ضعف تأثير الأيديولوجيا على بوصلة السياسة الخارجية السعودية التي تحولت بدورها إلى براغماتية صِرْفة.

السلفية الجهادية كردَّة فعل للحملة الأميركية على الإرهاب

تُعد ما يُعبَّر عنها بالسلفية الجهادية (10) (هذه التسمية التي أطلقها المستشرق الفرنسي جيل كييل ليست دقيقة لأن التيار الجهادي يشترك فيه عناصر سلفية وإخوانية وغير مؤدلجة..) تهديدًا محتملاً لأمن الخليج بسبب الأفكار التكفيرية لقياداتها كما هي الحال في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وبعض التنظيمات الأخرى.

العديد من الأسباب صنعت وأفرزت الحركات الجهادية عمومًا، كحالات الإحباط الاجتماعي، وضعف تأثير المرجعيات الدينية المعتدلة، ولكن تكمن الأسباب الأساسية في الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001 واحتلال العراق عام 2003 والسياسة الطائفية للميليشيات المسلحة في العراق. وقد عرض الدكتور عزمي بشارة، لهذا التقابل بين الطائفية والجهادية قائلاً: “إن ظهور نموذج الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) هو نتيجة لقاء شديد الانفجار بين السلفية الجهادية والطائفية خاصة في ظل تراجُع الدولة الوطنية وضعفها لأن السلفية الجهادية لا تعترف بالطوائف الأخرى أصلاً ولا بالسياسة ولا بالعقد الاجتماعي ولا حتى بمستوى التدين” (11). ويمكن بكل تأكيد سحب هذه المقولة على دول الخليج في حال استمرت التغذية الطائفية الإيرانية التي لا يُستبعد أن تستفز الخلايا الجهادية: النائمة منها و”المستفيقة”.

الإسلام السياسي وأمن الخليج

في أثناء حرب الخليج الثانية توترت العلاقات بين الحكومة السعودية والإخوان المسلمين بسبب تأييد بعض أعضاء جماعة الإخوان لنظام صدام حسين في غزوه للكويت مما عُدَّ من قبل السعودية استغلالاً لكرم الضيافة ومحاولة لقلب ظهر المِجَنِّ لبلد آواهم ومكَّنهم بعد طردهم وسجنهم. فأدى هذا التوتر إلى مغادرة بعض رموزهم السعودية إلى مواقع جديدة كان أهمها دولة قطر التي استثمرت مع وصول الأمير حمد بن خليفة آل ثاني للسلطة عام 1995، في تيار الإسلام السياسي.

لقد كان وقع إنهاء حكم الإخوان مدويًّا في الدوائر الإعلامية والسياسية التي كانت بوصلتها السياسية تريد ضبط إيقاع “دفة” الإسلام السياسي. يحلل الباحث الدكتور جمال عبد الله المختص في السياسة الخارجية القطرية الوضع؛ فيقول: “قررت قطر دعم مسيرة هذه الشعوب (العربية) نحو الانعتاق، وقد أسفر هذا المنعطف عن تغير جذري لصورة البلاد في الساحة الدولية، وانتقلت قطر من طور الوسيط المصالِح إلى طور الناشط الداعم، وهو ما اضطرها إلى المشاركة في آليات الردع العسكري تحت غطاء تحالف دولي، كما كانت الحال في إبريل/نيسان 2011 أثناء الحملة التي قادها حلف شمال الأطلسي “الناتو” ضد قوات العقيد الراحل معمر القذافي” (12).

وقد استشعرت دول الخليج الموقف القطري الداعم لتيار الإسلام السياسي، وعدَّته خروجًا عن مفهوم الأمن السياسي المشترك لدوله؛ وهو ما أدى إلى أزمة عابرة في العلاقات الخليجية.

في الحقيقة، يبرِّر الخطاب الإعلامي والسياسي الخليجي (باستثناء قطر) موقفه المعادي للإسلام السياسي الحركي بأنه يشكِّل تحديًا لاستقرار وتعايش الخليج، بسبب جاذبية وتأثير الطروحات الإسلامية التغييرية الوحدوية على جزء مهم من الخليجيين نخبًا وأفرادًا، وما قد ينتج عنه من تراجع للمرجعية الدينية الرسمية الوطنية التي يستمد منها بعض دول الخليج شرعيته السياسية.

أيضًا من الأسباب، ما قيَّمته بعض الأنظمة الخليجية من أن الإخوان المسلمين يملكون من القوة الشاملة، والأجندة السياسية المختلفة، وصيغ التحالفات الجديدة، إلى درجة يصعب معها التحالف معهم من قبل الدول الخليجية لإدارة الملفات الإقليمية بنفس المنهجية والمقاربات السابقة، وخاصة ما يتعلق بأمن الخليج ضد المخاطر المختلفة القائمة والمستقبلية كطموح الهيمنة الإيرانية، ومخاطر الاحتجاجات الشعبية التي يُخشى أن يكون الإخوان عامل تأجيج لها أكثر منه مساعدًا على التهدئة.

لكن اختلاف زوايا الرؤية بين قطر وباقي الدول الخليجية للإسلام السياسي لم تمنع التوصل إلى تفاهمات سياسية مشتركة بين القادة الخليجيين ستسهم دون أدنى شك في إبعاد دول المجلس عن مناطق اضطرابات وصراعات عِرقية وطائفية قد تنعكس على دوله مستقبلاً.

دول الخليج وعدوى الإرهاب من الجوار الإقليمي

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ضرب الإرهاب السعودية بقوة كردة فعل لانضمامها للتحالف ضد الإرهاب ولأسباب تتعلق بنشوة المزاج الإرهابي واستثمار ما يَعدُّه منظِّرو الجهاد نجاح الغزوة الأولى على أميركا. لكن السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي نجحت في محاصرة الأنشطة الإرهابية على أراضيها خلال السنوات الماضية، من خلال الحلول الأمنية والفكرية والمالية، وما تعلمه المخططون الأمنيون من هذه التجربة من إعداد لاستراتيجيات أمنية وقائية أسهمت في إحباط العديد من المخططات قبل تنفيذها.

ورغم نجاح الخليجيين في احتواء وردع الإرهاب الداخلي، إلا أن المخاوف تكمن في إمكانية تمدد عمل وفكر الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق واليمن إلى أراضيها في ظل وجود أعداد لا يستهان بها من الخليجيين ضمن هذه التنظيمات وخاصة ضمن مجالس الشورى والقيادة. وتزداد المخاوف في ضوء ما نشره التنظيم لخريطة ما أسماها: دولة الخلافة الإسلامية في الشام والعراق، والتي تظهر فيها دولة الكويت باعتبارها جزءًا من دولة الخلافة، وكذلك ما يدعيه الحوثيون من أن مكة المكرمة هي حدهم الشمالي.

ويبدو أنه كإجراء استباقي للحد من انتقال عدوى فكر وممارسة هذه التنظيمات إلى الداخل السعودي فقد أعلنت وزارة الداخلية السعودية في بيان لها في 7 مارس/آذار 2014 أن “تنظيم القاعدة” وتنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”، وتنظيم “القاعدة في اليمن”، و”داعش”، و”جبهة النصرة”، و”حزب الله” وجماعة “الإخوان المسلمين”، و”جماعة الحوثيين”، تنظيمات إرهابية، يُحظَر الانتماء إليها ودعمها، أو التعاطف معها.

ولم تكتفِ السعودية بهذا الإعلان بل وبادرت واستضافت في سبتمبر/أيلول 2014 مؤتمر جدة للتحالف الدولي ضد “داعش” الذي شاركت فيه عشر دول عربية وخليجية إضافة إلى أميركا، وتلاها أن شارك عدد من دول الخليج بطائراتها، وطياريها في الغارات الجوية ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية على مواقع داعش في العراق وسوريا.

لقد علَّمنا التاريخ أن محاربة الفكر لا تكون إلا بالفكر، وقد تؤجِّل الحلول الأمنية أو تُجمِّد الإرهاب والعنف لكنها لا تستأصله. من هنا، تأتي حيوية تصميم مقاربات شاملة فكرية وثقافية وإعلامية تستند على تنشيط الحوار الفكري الأفقي والرأسي بين النخب وقواعدها من المجتمعات الخليجية. لأنه حال وجود توافق فكري وانسجام في الرؤى والمواقف يصبح النسيج الاجتماعي الخليجي عصيًّا على اختراق الفكر الراديكالي المتطرف. ما يُلاحَظ حاليًا، وباستثناء حراك الدوحة في جمع شرائح من مختلف التوجهات والتيارات في حوارات إعلامية وثقافية واجتماعية، أن الحوار حول الإرهاب لا يزال إلى حد كبير شأنًا سياسيًّا ونخبويًّا صرفًا، بينما العنف يعد ظاهرة اجتماعية سياسية (سوسيو بوليتيك) يتطلب أن تكون شرائح المجتمع الشعبية مشارِكة ومُفعَّلة في الحوارات.

الخاتمة

ختامًا، يمكن القول بأن الطائفية والإرهاب قد لا يشكِّلان خطرًا في المدى القريب على أمن مجلس التعاون الخليج، أما في المدى المتوسط فذلك مرهون بزخم الطموح الإيراني باتجاه مساندة الحراك الطائفي في الخليج واليمن ومرتَهَن أيضًا بتقارب وتوحد نشاطات حركات الإسلام السياسي والجهادي والفكري أيضًا في المنطقة وقدرة اللاعبين الخارجيين على إدارة وتوجيه هذه القوى للتأثير في معادلة الأمن الخليجي القائمة.

إن هشاشة السيناريوهات الأخرى تجعلنا نُبقي على أكثرها احتمالاً وهو أن دول الخليج في المدى القصير ستبقى واحة خضراء وسط صحراء مجدبة، لكن البقاء في هذه الواحة يستلزم من منظومة دول مجلس التعاون أمرين مهمين:

  • أولاً: بناء دولة “المواطنة”، بمعنى تعزيز “الهوية الوطنية والخليجية الجامعة” من خلال تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين، والنظر للفرد بناء على مواطنته وكفاءته وليس على طائفته أو قبيلته أو جاهه، والتأسيس لشبكة من العلاقات الاجتماعية يسودها السلام والتسامح وقبول الآخر.
  • ثانيًا: تسريع خُطا وحدة وتكامل دول الخليج العربي السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية للوصول للنموذج “الاتحادي” المأمول، لأنه الدرع الذي يصد الطائفية ويقضي على الإرهاب ويدحر العدو الخارجي. بشكل موازٍ ينبغي أن تُطور الجهود الإصلاحية وتحقيق التوافقات السياسية بين الفرقاء في دول الجوار لمعالجة الجذب السياسي والاجتماعي الطائفي الدائر. وأخيرًا، ينبغي أن لا ننسى أن أمن الخليج هو مسؤولية أبنائه أولاً.

___________________________
د. أحمد الأزدي – باحث مختص بالشؤون الاستراتيجية وأمن الخليج

المصدر / مركز الجزيرة للدراسات

الهوامش
1- انظر: عبد الحسين صالح الطائي، مفهوم الطائفية السياسية، تحليل جذورها الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، موقع الحزب الشيوعي العراقي، السبت 2 أغسطس/آب 2014،  http://www.iraqicp.com/index.php/sections/objekt/17761-2014-08-02-20-49-26
2- عزمي بشارة، ورقة بعنوان: الاستبداد يؤجِّج الطائفية، مؤتمر “الطائفية وصناعة الأقليات” في الأردن، 13 سبتمبر/أيلول، 2014 http://www.dohainstitute.org/content/568d0589-72fa-4b20-bbe2-bc3613819821
3- انظر: كاظم شبيب، الطائفة والطائفية: المفهوم-الواقع-المأمول. http://www.masarnews.com/modules.php?name=News&file=article&sid=550
4- د. ابراهيم العسكر، الطائفية في الخليج لم ولن تعرف الحرب الطائفية، جريدة الرياض العدد 14240، الأربعاء 5 جمادى الآخرة 1428هـ.
5- محمد الرميحي، جريدة الشرق الأوسط، عدد 13126، الأربعاء 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2014.
6- انظر: سوسن الشاعر، هل غدت بالفعل «جمعية الوفاق» البحرينية «مسمار جحا» أميركيًّا؟، جريدة الشرق الأوسط، عدد 13126، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2014.
7- انظر، مقابلة مع ستيفان لا كروا، صحيفة الفيجارو الفرنسية،
http://www.lefigaro.fr/international/2012/10/12/01003-20121012ARTFIG00488-les-salafistes-en-france-restent-dans-leur-bulle.php
8- انظر شرحًا لهذه المحاولة الفاشلة، Stéphane Lacroix, Les islamistes saoudiens. Une insurrection manquée, Paris, Presses universitaires de France, coll. « Proche-Orient »,
9- ألكسي فاسيليف، الملك فيصل: شخصيته وعصره وإيمانه، الطبعة الأولى، بيروت، دار الساقي، 2012، ص434.
10- انظر تفصيلاً لهذا المفهوم في Kepel, Gilles (2002). Jihad: The Trail of Political Islam. trans. Anthony F. Roberts. Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press
11- عزمي بشارة، ورقة بعنوان الاستبداد يؤجج الطائفية، في مؤتمر “الطائفية وصناعة الأقليات” في الأردن، 13 سبتمبر/أيلول، 2014،
http://www.dohainstitute.org/content/568d0589-72fa-4b20-bbe2-bc3613819821
12- د. جمال عبد الله ونبيل الناصري، مركز الجزيرة للدراسات، سياسة قطر الخارجية: استمرارية أم إعادة توجيه؟
http://studies.aljazeera.net/reports/2014/06/201462411230518576.htm

شاهد أيضاً

استراتيجية أوباما للأمن العربي : مبدأ قديم يتم اختباره الآن في اليمن

منذ خمسة وعشرين عاما، وبعد أن وضعت حرب الخليج (تحرير الكويت) أوزارها، قامت إدارة بوش ...